منتدى الساده الكتانيين
عزيزى الزائر/ عزيزتى الزائرة
يرجى التكرم بتسجيل الدخول ان كنت عضو فى المنتدى أو التسجيل ان كنت ترغب فى الانضمام الى اسرة المنتدى وشكرا
ادارة منتدى السادة الكتانيين

منتدى الساده الكتانيين

ساحه للتصوف الشرعى السلفى على منهج الامام محمد بن عبد الكبير الكتانى
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 نظرات في أذواق ابن عربي النورانية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عمرالحسني



عدد المساهمات : 37
تاريخ التسجيل : 27/09/2010

مُساهمةموضوع: نظرات في أذواق ابن عربي النورانية   الإثنين سبتمبر 27, 2010 3:48 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد و على آله وصحبه ، أما بعد
تتجلى الحقائق القرآنية تباعا بمجرد ما يقف الأنسان عليها متدبرا وجود ه الغائي.فخلق الله تعالى لآدم عليه السلام لم يكن هملا ، بل كان لحكمة مع غناه جل جلاله عن كل خلق و عن كل موجود ، فهو كل يوم في شان.
تجمع الفلسفات الوضعية أن الفاعل والمعطى في الوجود الأنساني لا يتعدى سوى الصراع من أجل البقاء ،والصراع مع الطبيعة الأم ، وانه الفاعل الحقيقي في مبدأ وجوده ومنتهاه ، ولا وجود لقوة خارقة غيبية تتحكم في مصيره ، ومن ثم فوجوده مرتبط بلازمة حقيقية : قدرته على البقاء و السيطرة.
صنع الأنسان لنفسه ربا فسماه بمسميات متعددة لضعفه في طفولته الأولى عن معرفة الطبيعة المحيطة به ، فعبد كل ما يراه من حجر الى كوكب ، ثم تخلص من ماضيه الغيبي حينما استعمل العقل و فضائله، فاذا به سميع مبصر للحقائق الماثلة أمامه ، سنن و ظواهر و قوانين.
يرث كل منا ماضي الأجداد وراثة كابرا عن كل كابر، فالموروث الديني بحسب الفيلسوف الألمعي آفة المجتمعات المسلمة ، المريضة بداء الشخصانية عو ض المؤسسات ، والخرافة عوض العلم ، والدين عوض الفكر الحر.
كان الفيلسوف الحر الباحث يبحث في تاريخ المسلمين عن مثالبهم في الحكم و العلم والمدنية وفي سنة التابع و المتبوع ، والحائر الجائر المستبد في الأمة ، وفي ثراث الكرامات وما يسميه البعض : فتنة ابن عربي ، الصراع بين العقل المجدد في النصوص بالفيض الأشراقي ، وتقلد الفقهاء الجامدين في فتاوى الأجداد.
منهم من أتخذ ذلك ذريعة لوصف الأسلام بالجمود ، كيف لا و الرجل الذي بين ايدينا صاحب راث ضخم
كله أبداع في الفكر و الأستنباط ، لم يستطع أهل زمانه سماعه لسبب بسيط :غباء فقهاء البلاط وغيرهم في فهم نصوص مفعمة بالخيال و أحيانا بالمجاز. فالنصوص بلسان عربي مبين ، ومعانيه : هيان ابن بيان من يفهمها؟.
يقول ابن عربي رضي الله عنه في فص حكمة الهية في كلمة آدمية :
(..لما شاء الحق سبحانه من حيث اسمائه الحسنى التي لا يبلغها الأحصاء ان يرى أعيانها وان شئت قلت أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر كله. لكونه متصفا بالوجود ، ويظهر به سره أليه .
فأن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فأن تظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل و لاتجليه له.
وقد كان الحق أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه ، فكان كمرآة غير مجلوة ومن شأن الحكم الألهي أنه ما سوى محلا ألا ولابد ان يقبل روحا الهيا عبر عنه بالنفخ فيه ،
وماهو الا حصول الأستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل و لايزال.
وما بقي ثمة الا قابل ، والقابل لا يكون الا من فيضه الأقدس.
فالأمركله منه ابتداؤه وانتهاؤه:* واليه يرجع الأمر كله * هود آ 123كما ابتدا منه.
فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم ، فكان آدم عين جلاء المرآة وروح تلك الصورة.
وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبرعنه في اصطلاح القوم ب* الأنسان الكبير*.
فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية و الحسية التي هي النشاة الأنسانية.
وكل قوة محجوبة بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها.
وأن فيها من تزعم ، الأهلية لكل منصب عال ومرتبة رفيعة عند الله لما عندها من الجمعية ألألهية.)ص49.50.51.52.53.54.55 من كتاب شرح الجامي على فصوص الحكم.
يقول الجامي رضي الله عنه في شرح مقدمة الفص ......فص الشيء خلاصته و زبدته و فص الخاتم ما يزين به الخاتم و يكتب عليه اسم صاحبه.
قال ابن سكيت :* كل ملتقى عظيمين فهو فص. و الألهية اسم مرتبة جامعة لمراتب الأسماء و الصفات كلها .ففص الحكمة الألهية عبارة عن خلاصة العلوم و المعارف المتعلقة بالمرتبة الألهية ، او عبارة عن محل يتنفس بها وهو قلب النسان الكامل ، فأن الفص كما أنه قد انطوى على قوسي حلقة الخاتم و انطبق على أحدية جمعهما وكما أنه يختم بما ينطبع فيه من الصور ويعرب عن كليتهما ، وكما أنه تابع لقابله من التربيع و التثليث و التدوير وغيرها ، ومستتبع لما يرد عليه كذلك قلب الأنسان الكامل له النطواء على قوسي الوجوب و المكان و النطباق على احدية جمعهما و له أن يعرب عما فيه من صور الحقائق وينبئ عن احدية جمعهما ، وكذلك له صورة تابعة لمزاج الشخص ، كما أنه أن يستتبع تجلي الحق و يصوره بصورته على مانص عليه الشيخ رضي الله عنه في الفص الشعيبين ولابد ان يجعل الفص عبارة عن أحدية جمع تلك العلوم و المعارف بناء على أن أحدية الأشياء زبدتها وخلاصتها.*)ص 49.نفس المرجع.
لاشك ان مفهوم الأنسان الكامل عند ابن عربي ومن ثم مقولة الأنسان الكبير ليست وليدة عنده ، بل لها جذور في الفكر التربوي ، عند الحكيم الترمذي ، في اسئلته المتناسقة التي طرحها في كتابه ختم الأولياء.
جلاله عن كل خلق و عن كل موجود ، فهو كل يوم في شان.

لايستطيع العقل أن يتجاوز حجاب التخفي أن لم يكن في تلقيه يستمد من ينبوع الحكمة.فالفص في بداية الأمر ونهايته مرآة للتجربة الأنسانية في بحثها عن المعرفة.لكل فص مرارة البحث و السبر ، وفي نفس الوقت هو مرآة لتلك الأسماء المتجلية في الخلق ، والصفات المنطبعة فيها، فتتزكى النفس بها و تدخل الى حضرة ربها فاذا بها منفعلة فاعلة سائرة الى مساقها العرفاني ، في حركة ثنائية لا تنفصل عن ممدها الحق سبحانه وتعالى.
الروح في سيرها قبل العرفان بحسب ابن عربي رضي الله عنه ، كالفلك المشحون لا يستقر بسبب الأمواج المتلاطمة يمينا وشمالا ، واينما ولت وجهتها فلا تجد في وجهها الا النفس و الهوى ثم الشيطان.فان لم تستعن بربها خاب رجائها فسقطت.
الأنسان الكبير سيد الكون بربيته، وقيامه بالعدل وتحمله الأمانة ، لكن ماهي الأمانة ؟.
هل يكون الأنسان مرآة للرب بحسب هذا الفص الادمي؟.
يرى الجامي أن اول ما ألقاه المالك عليه أي ابن عربي رضي الله عنه، خلاصة علوم ومعارف متعلقة بالمرتبة الألهية متحققة في كلمة آدمية ، فكان المحل القابل لهذه المعرفة ، ومن ثم كان السر في النفخ الرباني في آدم عليه السلام * ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين* ، فأسرار الألوهية جعلت من الأنسان موضع سره ، وترقيه فيها مرهون في الأذعان لحقائق الوحي لاغير.
يقول شيخنا عبد السلام ياسين في كتاب الأحسان ، في خصلة السمت الحسن ، في فقرة وحدة الوجود و الأتحاد و الحلول :
(--الشيخ ابن عربي عند العارفين هو "الشيخ الأكبر" وكفى. وما في كتبه من كلام كفري يعزوه بعضهم إلى السكر فيعذره وبعضهم ينسُبُ تلك الكلمات، بل تلك الفلسفة المبنية، إلى دس الباطنية. وابن تيمية لا يعذِر ولا يقبل كلاما.

لِنَقُلْ أولا إن ما في كتبِ ابن عربي من قول بأن وجود الله هو وجود الخلق لا زائد قَولُ كفر وزندقة وجحد لإخبار الله عز وجل الخالق البارىء المصور. وقد فصل حاجِّى خليفة في موسوعته "كشف الظنون"، وهو الخبير الثقة بالكتب، كيف دس الباطنية قبحهم الله على الشيخ في كتبه. يؤكد لنا دفاعَ حاجى خليفة وجماعةٍ من علماء الأمة ما نقرأه في مثل كتاب "روح القدس في محاسبة النفس" للشيخ الصوفي الكبير وجزء وصاياه في آخر كتاب "الفتوحات المكية"، الذي كان ابن تيمية باعترافه مُعْجَباً به يوما ما، من كلام مناقض للخوض في السكريات والكفريات، كلامٍ من أعلى الكلام وأجوده وألصقه بالسنة المطهرة وأحرصه عليها.

من هذا المُنْطَلَق نمضي شوطا مع شيخ الإسلام في نقده اللاذع وتكفيره الصادع لنكشف لبَّ المسألة، ولنحضُرَ مشهدا من مشاهد معركة أدّى إليها حديثُ العلماء فيما يَحْرُم الحديث فيه.

ما هو لُبُّ الخلاف ؟ يقول ذلك هذا البيت من الشعر في فتوحات ابن عربي:

وطالب غير الله في الأرض كلهـا





كطـالب مـاء من سـراب بقـيـعة

معناه أن الخلق عدمٌ، وأنه ما في الوجود إلا الله.

فهل يقول ابن تيمية غير هذا وهو في حُمَّى الإرعاد والإزباد؟ قال: "الكائنات ليس لها من نفسها شيء. بل هي عدم محض ونفيٌ صرف. وما بها من وجود فمنه وبه"[2]. هكذا! وقال في شرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أصدق كلمة قالها الشاعر قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل"، قال: "كل ما خلا الله فهو معدومٌ بنفسه، ليس له من نفسه وجودٌ ولا حركة ولا عمل، ولا نفع لغيره منه. إذ ذلك جميعه خلق الله وإبداعه وبَرْؤُه وتصويره. فكل الأشياء إذا تخلى عنها الله فهي باطل، يكفي في عدمها وبطلانها نفس تخلِّيه عنها"[3].

إن النطق في هذه الأمور بغير ما نطق به الكتاب ونطقت به السنة خطأ. ولئن خرج شيخ الإسلام من القول بعدمية العالم "المحضة" بإثبات الخلق والبَرْءِ والتصوير فإنه غفر الله لنا وله كما يغفر سبحانه للمجتهد المخطئ توَرَّط أيما تورط في الرد على القائلين بالحلول والاتحاد لعنهم الله. نفى المقالة بالحلول المُطْلَق وأدانها بشدة، لكنه اخترع مقالة غريبة شنيعة سماها "الاتحاد المعَيَّن".

قال: "وقد يقع بعض من غلب عليه الحال في نوع من الحلول أو الاتحاد. فإن الاتحاد فيه حق وباطل. لكن لما ورد عليه ما غيَّبَ عقله أو أفناه عما سوى محبوبه، لم يكن بذنب منه كان معذورا"[4].

ويفصل عفا الله عنا وعنه هذه التُّرَّهات المسماة "اتحادا معينا" فيقول: "فقول القائل :إن الربَّ والعبد شيء واحد ليس بينهما فرق كفر صريح، لا سيما إذا دخل في ذلك كلُّ عبد مخلوق. وأما إذا أراد بذلك عباد الله المومنين وأولياءَه المتقين، فهؤلاء يحبهم ويحبونه(...). ولا يقال في مثل هؤلاء: إن العبد والربَّ شيء واحد لكن يقال لأفضل الخلق كما قال الله تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ) "[5].

هذه أيضا خرج منها، وما كاد، باللجوء إلى النص المنزل المعصوم. ثم يعود ليقرر أن بعض العباد فيهم "نوع" و"شبه" حلول. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ويقول: "فهذا فيما يشبه الاتحاد أو الحلول في معين، كنَبِيٍّ أو رجل صالح ونحو ذلك(...). فإنه في هذا القسم يقوم في العبد المُعَيَّن من آثار الربوبية وأحكام القدرة أكثر مما يقوم بغيره"[6].

ويكرر ابن تيمية في فتاويه المنشورة بهذا الجزء الثاني مرات كثيرة أنه يعترض على الاتحاد والحلول المطلق ليثبت ما سماه في أبجديته الجدلية حلولا واتحادا معينا. معناه: لا تقل: كل الخلق الله، لكن لا بأس إن قلت: بعض العباد فيهم نوع حلول وشبه اتحاد. أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه.

كان ابن تيمية متَّزنا في كلامه عن ابن عربي في رسالته إلى الشيخ الصوفي نصر المَنْبِجِي، المتعصب لابن عربي، الذي كان "يحط على ابن تيمية من أجل حطه على ابن عربي" كما يقول الحافظ ابن حجر في "الدرر الكامنة"[7]. وقد قرأنا في فصل سابق كيف خاطبه بإجلال وقال له: "إن الله تعالى أنعم على الشيخ وأنعم به نعمة باطنة وظاهرة في الدين والدنيا. وجعل له عند خاصة المسلمين الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فساداً منزلة علية ومودَّةً إلهية، لما منحه الله به من حسن المعرفة والقصد"[8].

كيف يخفضُ الجناحَ لرجل من أشدِّ خصومه في ابن عربي! كيف يدور، كما تدور الكلمات المنسوبة لابن عربي، حول حقيقة: "فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ويده ورجله"، ويفضِّل المعيَّن على حلول أولئك المطلَقِ! أبْعَدَ الله كل قائل بالحلول والاتحاد ممن لا يقبلون إخبار الله عز وجل عن نفسه وعن فعله بعباده حتى يخوضوا في الكيف والحيث!

كان الحافظ الذهبي تلميذ ابن تيمية الشاكُّ المشكك في حديث البخاري القدسي "من عادى لي وليا" أكثر اتزانا وإنصافا واعتدالا للشيخ ابن عربي رحمه الله حيث كتب: "وما عندي أنَّ محيي الدين (ابن عربي) تعمَّدَ كذباً. ولكن أثَّرتْ فيه تلك الخَلَواتُ والجوعُ فساداً وخيالا وطرف جنون. وصنَّف التصانيف في تصوف الفلاسفة وأهل الوحدة فقال أشياء منكرةً، عدَّها طائفة من العلماء مروقا وزندقة. وعدها طائفة من العلماء من إشارات العارفين ورموز السالكين. وعدها طائفة من متشابه القول، وأن ظاهرها كفر وضلال، وباطنها حق وعرفان، وأنه صحيح في نفسه، كبير القدر"[9].

قيض الله عز وجل في حكمته البالغة وبلائه للعباد أن تنتشر في عصرنا كتب ابن تيمية انتشارا ما عرفه من قبل مؤلف. ونشأ عن هذا الانتشار إرهابٌ "ديني" ضدَّ من ينطق مُجرَّدَ النطق باسم ابن عربي، فأحرى أن يترحم عليه. والنص الذي أوردتُه للذهبي، وهو تلميذ ابن تيمية اللصيق به، وهو الحافظ الكبير الذي كان ابن حجر يتمنى على الله بلوغ مرتبته، يرُدُّ الأمور إلى حجمها. فابن عربي تغالى في تقديره وتعظيمه طائفة جليلة من العلماء عديلَ ما تغالى ابن تيمية وأتباعه في تجْرِيمه.

وقد ألف السيوطي كتابا بعنوان: "تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي" دافع فيه عن الشيخ الجليل ونهى عن قراءة الكتب المدسوس فيها عليه. وعظم الشيخ الأكبر علماء في كل العصور ابتداءً من معاصره الحافظ البرزالي الذي تتلمذ له إلى الشيخ محمد عبده السلفي المتناقض في سلفيته وتصوفه وزعمه عفا الله عنه أن الجن نوع من الجراثيم والمكروبات.

سراج الدين المخزومي، سلطان العلماء العز بن عبد السلام، سبط ابن الجوزي، الصلاح الصفدي، قطب الدين الشيرازي، مؤيد الدين الجخندي، نصر المنبجي، الحافظ الحجة محيي الدين النووي، جلال الدين السيوطي، اليافعي اليمني، الشيخ الصوفي الإمام الشعراني،شيخ الإسلام زكرياء الأنصاري الشافعي صاحب المصنفات الشهيرة، وكثيرون. هذه أسماء علماء أجلاء غابت عن الأبصار شهاداتهم لابن عربي وطُوِيَتْ في بطون الكتب، فلا تُرْوَى إلا إدَانةُ ابن تيمية، وانتصب كل من هب ودب قاضيا يُكفِّر بشهادة الخصم ولا يسمع للمتَّهَمِ كلمة. هذا بلاء مبين. وإني أنهى من قرأ كتاباتي عن النظر في كتب ابن عربي وأمثاله إلا أن تكون قدمه راسخة، بمعنى أن يكون في حِجْر شيخ مرب يأذن له ويشرح له ويحرر له الحق من الباطل والأصيلَ من المدسوس.

وفي المتأخرين نجد علمين من أعلام الأمة، عالمين مجاهدين لا نجد لهما مثيلا في مقاومة الكفر وقتاله والصمود في وجهه. الأول الأمير عبد القادر الجزائري تتلمذ لابن عربي وألف كتاب "المواقف" عرض فيه مقالات الشيخ الجليل المدسوس عليه المظلوم، حتى ليعد الأمير عبد القادر من أبرز شراح "الفتوحات" المكية. وهو رحمه الله أنفق على طبع الفتوحات وأشرف. أما الثاني في مفخرة العلماء المجاهدين فمحمد بن عبد الكريم الخطابي الذي قاوم الجيوش الفرنسية والإسبانية منفردة ومجتمعة تلك المقاومة العزيزة الخالدة. ذكر في مذكراته أنه أثناء قيادة الجهاد كان لا يفتر عن قراءة الفتوحات.

وكما كتبت في آخر الفصل الأول من هذا الكتاب هديَّةً إليك هي توبة الشوكاني الذي كان يكفر ابن عربي، فإني أهديك هنا إشادةَ مجد الدين الفيروزبادي بالشيخ محيي الدين. الفيروزبادي هو مؤلف القاموس، عَلَمٌ من الأعلام. وكلمته لا أريدُها توصية بابن عربي، لكن أريدها صوتا من جانب الإنصاف عسى تتعادل كِفَّتَا الجدل، فنتجاوز أنا وأنت باحترام وسلامة طوية وسعي في الصلح بين المسلمين كل هذا الكدر والدخن الذي تصاعد من أراضي المعارك المذهبية فخنق أنفاسنا وضبَّبَ عيُونَنَا. نتجاوزه صعودا إلى ينبوع الحكمة ومصدر الهداية ودليل الاستقامة: ألا وهو قال الله وقال رسول الله. لا إله إلا الله.

قال الفيروزبادي الذي شرح صحيح البخاري وطرزه بكلام ابن عربي: "اللهم أنطِقْنَا بما فيه رضاك. الذي أقوله في حال المسؤول عنه (ابن عربي الذي استفتوه في شأنه) وأعتقده وأدين الله سبحانه وتعالى به أنه كان شيخ الطريقة حالا وعلما، وإمام الحقيقة حدّاً ورَسْما، ومحيي رسوم المعارف فعلا واسما. إذا تغلغل فكر المرء في طَرفٍ من بَحرِه غَرِقَتْ فيه خواطِرُه في عُبَابٍ لا تدركه الدِّلاءُ وسحاب تتقاصَر عنه الأنواءُ. وأما دعواته فإنها تَخْرِق السبع الطِّباقَ، وتفترقُ بركاته فتملأ الآفاق. ).كتاب الأحسان.
اوردت النص للشيخ حتى لا يفهم من عنواني ايماء لمذهب وحدة الوجود.
كنت ممن سقط في شراك الحجب الظلمانية لمدة سنوات ، حتى ايست من نفسي فرايت فيما يرى النائم ، وكاني أقطع المضيق ماشيا فوق الماء فلمحت شابا طلق المحيى ، جميل المنظر ، يناديني و رأيت باب عظيما تفتح ، فخرجت افواجا كبيرة من أهل الله ، و لقي في روعي ان الشاب هو محيي الدين ابن عربي قدس الله سره ، فقال لي : هذه جموع أولياء الأمة منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها الى يوم القيامة ، أن كنت قد نسيتنا فأننا لم ننساك....).
ثم اصبحت مولعا بقراءة كتبه رضي الله عنه فيما بعد وأن كنت لا أفهمها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
محمد يحيى
الادارة
الادارة
avatar

عدد المساهمات : 313
تاريخ التسجيل : 31/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: نظرات في أذواق ابن عربي النورانية   الثلاثاء سبتمبر 28, 2010 1:18 am

جزاك الله خيرا اخى عمر وبارك فيك ومن اهل عصرنا الذين نوصى بالاخذ عنهم والتلقى منهم ومطالعة مؤلفاتهم سيدى الشيخ عبد الباقى مفتاح الاكبرىوارث علوم سيدى محى الدين وشارح فصوص الحكم أوقف حياته على الاعتناء بتراث الامام الاكبروله السبق فى خل المعضلات وقد شرفت بالأخذ عنه واوصيك بالتواصل معه والله يوفقنا واياكم لمراضيه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمرالحسني



عدد المساهمات : 37
تاريخ التسجيل : 27/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: نظرات في أذواق ابن عربي النورانية   الثلاثاء سبتمبر 28, 2010 7:51 am

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ،أما بعد
ليس الحقيقة عند أهل النظر و التحقيق ما تبصره العين المجردة من المدركات الحسية ، أو تسمعه الأذن من الأصوات ، أو تلمسه الأيدي ، وتشمه الأنوف ، أو تتذوقه الألسن .
بل هي سر يقذف في القلب ، وينقش في البصيرة ، وينكشف عند رفع الغطاء. فيغيب العقل ، وتفنى الذات عن رسوماتها النسبية ، وتستقر في الروح نوع من اليقين وشهود الحق.
لا يتاتى هذا ألا عن طريق المجاهدة و المصابرة ومقارعة النفس في ميدان المنازلات القربة : الذكر.
لايرى الذاكرون الله الا بذكرهم النوراني، نوعا من العلم ، بل أنواعا من المعرفة : المعرفة الحسية ، و المعرفة القلبية ، والمعرفة البيانية للعقل ، ثم العرفان ليشهد العبد قدر نفسه : الذل في العبودية لله تعالى ، والعزة في ربوبيته بأعتباره خليفة الله في أرضه : مناط العدل ، ومقصد حمل الأمانة.
الفص الادمي لأبن عربي غني بهذه الأشارات ، وان كان كما يعرف الجميع ينتابه نوع من الغموض.
فهو يتحدث عن الله وعلوه في وحدانيته و احديته ، ثم آدم عليه السلام ، ثم المعرفة الملائكية ، ثم دسائس ابليس لعنه الله، كما أن الفص الآدمي يخلص في نهاية المطاف أنه بدء شأو الأنسانية في معرفتها لله ، وسيرها اليه والفصوص التالية مجرد مقامات ومعارف و علوم ومقاصد وأن كانت تتحدث على لسان الأنبياء عليهم السلام ، لتنتهي عند الفص المحمدي بأعتباره العبد الكامل المتصل وأعلى حقيقة كونية وعرفانية والمرتبة العليا في معرفة الله وخشيته.
يرى البعض في المعرفة التي تنبني على الحس والحواس سمتها الفوضى.فابن حزم الأندلسي في كتابه مداواة النفوس يرى ان شغل الشاغل عند الخلق ، المبالغة في الأنكحة و الأطعمة و الألبسة ، وهي مرتبطة بجميع الحواس من ذوق وشم وملمس ، ثم تنتابه الحيرة في ثنايا كتابه عن منشأ الأمراض القلبية في الأنسان وهي البغض و الحسد وحب الجاه والسلطة والسيطرة ، وحب الرئاسة وكلها امراض استأثر بها الرجال دون النساء.
وفي كتابه طوق الحمامة ، يحكي الرجل عن الفوضى في نزعة الحب والجسد وفتنة النساء ، ولاشك بين ثنايا الكتاب تجربة تجرعها الكاتب رحمه الله ، وهي عند بعض اهل التحقيق نقيصة في حق العالم النحرير رحمه الله.
فان كان للحس الأثر البالغ في حياة الأنسان ، فأنه عند اهل الله أما من المنجيات وأما هو من المهلكات. فأن كان القلب مرحوم بالرحمة النورانية تحكم في الهوى و النفس ومن ثم حاصر حظ الشيطان فيه وألا فالعكس.
1.عود على بدء:
يرى ابن عربي قدس الله سره ، ان الحقائق ثلاث:
-حقيقة مطلقة فعالة عالية واجبة وجودها بذاتها وهي حقيقة الله تعالى.
- حقيقة مدة منفعلة سافلة قابلة للوجود من الحقيقة الواجبة بالفيض والتجلي وهو حقيقة العالم.
- حقيقة احدية جامعة بين الطلاق و التقييد والفعل و الأنفعال و التاثير و التاثر فهي مطلقة من وجه مقيدة من آخر فعالة من جهة منفعلة من أخرى.
وهذه الأخيرة أحدية جمع الحقيقتين ولها المرتبة الأولية الكبرى و الآخرية العظمى.
ذلك لن الحقيقة الفعالة المطلقة في مقابلة الحقيقة المنفعلة المقيدة وكل مفترقين فلا بد لهما من أصل هما فيه واحد مجمل وهو فيهما متعدد مفصل.
أ ذ الواحد اصل العدد و العدد تفصيل الواحد ، وظاهرية هذه الحقيقة هي الطبيعة الكلية الفعالة من جهة ، و المنفعلة من الآخر ، فأنها تتأثر من الأسماء الألهية وتؤثر في موادها وكل واحدة من هذه الحقائق الثلاث حقيقة الحقائق التي تحتها ، ولها سرت أحدية جمع الموجود في كل حقيقة من الجزئيات انبعثت انابة كل تعين ، تعين بأن له أستحقاق الكمال الأحدي و ما تحققت أن تعين الكمال الأحدي الجمعي أنما يكون بحسب القابل وأستعداده.
لذلك نجد ابن عربي في فص الآدمية يؤكد :*.....بين ما يرجع من ذلك الى الجناب الألهي ، والى جانب حقيقة الحقائق ، وفي النشأة الحاملة لهذه الأوصاف الى ما تقتضيه الطبيعة الكلية التي حصرت قوابل العالم كله أعلاه و اسفله.
وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكري ، بل هذا الفن من الإدراك لا يكون ألا عن كشف الهي منه يعرف ما اصل صور العالم القابل لأرواحه.
فسمي هذا المذكور أنسانا و خليفة ، فأما انسانيته فلعموم نشأته و حصره الحقائق كلها و هو للحق بمثابة أنسان العين من العين الذي به يكون النظر وهو المعبرعنه بالبصر.
فانه به نظر الحق تعالى الى خلقه فرحمهم.
فهو الأنسان الحادث الأزلي و النشؤ الدائم الأبدي ، والكلمة الفاصلة الجامعة .فتم العالم بوجوده.
فهو من العالم كفص الخاتم من الخاتم ، الذي هو محل النقش و العلامة التي بها يختم الملك على خزانته ، وسماه خليفة من أجل هذا.
لأنه تعالى الحافظ به خلقه كما يحفظ الختم الخزائن فمادام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها ألا بأذنه ، فأستخلفه في حفظ العالم فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الأنسان الكامل.
ألا تراه أذا زال وفك من خزانة الدنيا لم يبقى فيها ما أختزنه الحق تعالى فيها وخرج ما كان فيها و التحق بعضه ببعضه ، وانتقل الأمر ألى الآخرة فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديا.
فظهر جميع ما في الصورة الألهية من الأسماء في هذه النشاة الأنسانية فحازت رتبة الأحاطة و الجمع بهذا الوجود ، وبه قامت الحجة لله تعالى على الملائكة.....*.
شرح الجامي على فصوص الحكم ص 55.56.57.58.59.60.
2.اللغة كوعاء للوحي :
يفتخر العروبيون بأنتسابهم للغة العربية ، ففي مخيلتهم لا تزال صورة العربي الحر الشجاع الحامل للسيف ، المتخلق بأخلاق الفرسان من كرم وشجاعة ودماثة الخلق وكره الضيم ، وتزداد الصورة بريقا في خيالهم أن كان الفارس شاعرا أوتي بلاغة اللسان و فصاحة السلوب و رجاحة العقل.
فيتمسك بها بانتسابه كما يتمسك اغريق بمنقذه ، فلا انتماء ألا للوطن ، ولافخر ألا مع القبيلة و وشيجتها الدموية ، ثم الأقدام في ساحة التدافع أما عن حق أو مع باطل.
شاء الله تعالى أن يكون اللسان العربي وعاء لوحيه ، وحاملا لمعانيه ، تدرج العرب في نشأتهم الى أن شاء الله أن يبعث الحبيب صلى الله عليه وسلم حاملا لسالته الخاتمة الكاملة ، بلسان عربي مبين ، فيه من العجاز ما لم يعرفه العرب في أسلافهم .
فكيف كان يفهم صحابته رضي الله عنهم القرآن ، وكيف تلقوه ؟
فَهْم الصحابة رضي الله عنهم معيار للفهم، وحجة للفقيه. ذلك أن سليقتهم العربية، ثم التربية النبوية والتعليم، وما وقر بتلك التربية في القلوب من إيمان، قربت إليهم المأخذ. ثم كان من بعدهم من علمائنا من لم يحظوا بتلك التربية، ولا هم أهل سليقة، فكان لابد لهم من التبحر في اللغة ليعرفوا فضل القرآن، وليفتح لهم باب عقلي للفهم فيه ينيره الإيمان والتقوى. قال ابن قتيبة رحمه الله في كتاب تأويل مشكل القرآن : "إنما يعرف فضل القرآن، من كثر نظره، واتسع علمه، وفهم مذاهب العرب، وافتنانها في الأساليب، وما خص الله به لغتها دون جميع اللغات. فإنه ليس في جميع الأمم أمة أوتيت من العارضة والبيان واتساع المجال ما أوتيته العرب خصيصا من الله لما أرهصه [أي لما سبق في علمه سبحانه] في الرسول صلى الله عليه وسلم وأراده من إقامة الدليل على نبوته والكتاب، فجعله علمه كما جعل علم كل نبي من المرسلين من أشبه الأمور لما في زمانه المنبعث فيه"[1].
أمة العرب أوتيت العارضة وحاسة البيان وذوق البلاغة، لهذا جاءتها المعجزة من هذا القبيل. وهي معجزة خالدة، فعسى الله أن يفتح قلوب العرب المحدثين للاستماع لرسالة الله كما فتح قلوب الأولين. أم ترى فسد ذلك الحس، وانطفأت تلك العارضة، واختلط ذلك الذوق الذي كان رائقا في الجدود ؟ ترى إلى أي حد تحول العجمة القلبية عن سماع القرآن السماع الكلي المطلوب ولو تهاتفت الألسن بالعروبة ؟
أذعنت العرب لبلاغة القرآن، فما وسع عظماء قريش إلا أن يعترفوا بما لم يكن في وسعهم إلا الاعتراف به، إذ قال قائلهم لما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم : " والله ما منكم أعرف بالشعر مني، ولا أعرف برجز الشعر وقصيده مني ! والله ما يشبه الذي يقوله شيئا من هذا ! والله إن لقوله لحلاوة ! وإن عليه لطلاوة ! وإنه لمثمر أعلاه، معذق أسفله ! وإنه يعلو ولا يعلى عليه وإنه ليحطم ما تحته !".
لكن عنادهم وكفرهم منعاهم من بناء الإيمان على الإذعان. فقاوموا التنزيل وصاحب الرسالة بكل وسائل المقاومة. ومن أهمها منعهم العرب من الاستماع لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم التي كان لبها وأسلوبها تلاوة الآيات البينات. وآذوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما اتخذ في حوش بيته مجلسا يتلو فيه القرآن فيجتمع أبناء العرب ونساؤهم ليستمعوا التلاوة. وقد أخبر الله عز وجل عن ذلك يحث قال : {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون}[2].
إن أولئك العتاة لم يكونوا يحسنون نفاق الشعارات، لم يكونوا يخفون نياتهم تحت عبارات "الحوار المفتوح" وتحت الإشادة بهذا "التراث العظيم". كان الخطاب الإلهي ناصعا في بيانه ولا يزال، كان قويا في وقعه على الفطرة ولا يزال. أولئك العتاة الأولون قاوموا وقعه المباشر بالحجز الساذج المباشر كما فعل قوم نوح من قبل حين غطوا آذانهم بالأصابع وغطوا وجوههم بالثياب فَعْلة مجتمع طفولي. قال نوح عليه السلام كما حكى الله عز وجل عنه : {وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا}[3].
وفي هذا العصر عتاة تدفعهم للإنكار نفس النية، ويدفعهم الاستكبار، لكنهم يصمون آذانهم وآذان الناس عن السماع والاستماع بوسائل متطورة هيأها المجتمع المتحضر. إنهم يجعلون بين الناس والقرآن حجابا كثيفا اسمه "التراث".
قرأت لمستغرب مستشرق، واحد من الأساتذة الأكادميين المتخصصين في دراسة "التراث" حين سألوه : "كيف تفهم الإسلام ؟" فأجاب متعجبا بما معناه "كيف تريد مني أن أفهم الإسلام قبل أن أقرأ كل ما كتب عن الإسلام ؟ !" هذا وأمثاله ينصبون أمام أنفسهم حاجزا هائلا من إنتاج البشر يتقون به الحق، يحتجبون ورءاه لكي لا يسمعوا كلام الله من حيث هو كلام الله. إنما القرآن عندهم نص من النصوص بحاجة إلى أن "يعيدوا قراءته" مستندين إلى المناهج اللسانية البنيوية التي تؤسس لهم فهما تشككيا عدميا يديب النص المقروء في غيابات اللاأدرية المطلقة. هذا هو الأسلوب العصري من آخر طراز لذلك الموقف الكفري الخالد، موقف جعل الأصابع في الآذان، واستغشاء الثياب، والإصرار والاستكبار. لولا أن هؤلاء أصابعهم من صنع أنفسهم لا هذه الأصابع الحسية، وثيابهم ألوان من "المعارف" والمناهج والفلسفات، وإصرارهم واستكبارهم معه المنصب الجامعي، والاطلاع الموسوعي والمؤلفات والحيثية المرموقة في الأوساط الاستشراقية.
عرب الجاهلية أذعنت منهم الفطرة القريبة لبلاغة القرآن وبقي القلب مطبوعا عليه، أما هؤلاء فسرابيلهم "المعرفية" وأكداس المفاهيم والمعطيات من مكتسبات العصر في مجالات " العلوم الإنسانية" غطت فيهم حتى بقايا الفطرة والعياذ بالله السميع العليم.
لوثث الفطرة النقية فتهودت وتمجست ، بعد أن سيطر الهوى و العقل على الفهوم ، فصار العلم هو عين الجهل كما يقول أهل الله.
3.سيادة الوحي :
ساد الوحي و علومه في وجدان الرعيل الأول فكان الأمير و الحكم و المرجع والملاذ. تتلقاه القلوب النقية عن تسليم مطلق وفرح تام بكرم الله وفضله.
لم ين الوحي مجرد كلام ، بل كا ن نبأ عظيما تخضع القلوب لجلال خطاب الله و عظمته.
فأنصاع الصحابة رضي الله عنه ، لملاحة الوحي واعجازه ، كان القلب لا يعرف مصدرا للعلم الا ما جاء من لدن الله ، طاعة و أنصياعا.
فكيف تتقبل الأجيال الحاضرة القرآن؟.
لاشك أن اللسان العربي كان لغة القلب في أجملا صورها ، فلم تحمل لغة من اللغات ما حمله اللسان العربي من حقائق الوحي و علومه.
هذه اللغة العربية التي حملت القرآن، وحملت السنة، وحملت علوم المسلمين، وحملت حضارة عظيمة، هل بوسعها أن تحمل لمستقبل الأمة حضارة اليوم والغد وما يكون هذه الحضارة من مضمون تقني علمي مادي ؟ هل تبلغ هذه اللغة الشريفة اليوم وغدا رسالة تحرير الإنسان كما بلغت من قبل ؟
ما دام القرآن بين ظهرانينا لم يرفع فرسالة التحرير محمولة، واقتحام العقبة سماع مطلوب، والاستجابة له منشودة. على السماع والاستجابة مدار هذا الكتاب.
إن هذه اللغة الشريفة المشرفة بحمل القرآن وصحبته اكتسبت روحانية وقدرة على غزو القلوب ووصف مشاعر الإيمان ونبضات الإحسان. تلك الروحانية وتلك القدرة لا نجدها، وأنى توجد، في أي لغة غيرها. كل لغة غيرها منقوصة الأعضاء مبتورتها عديمة الكفاءة عن التعبير في ميدان الرحمة. وأذكِّر أنني أقصد بالرحمة من الله عز وجل إلى العبد، أقصد تلك العلاقة الإيمانية الإحسانية. أما ميدان الحكمة فالعربية فيها، ككل اللغات، محتاجة إلى الاقتباس، قابلة للإثراء. أقصد بالحكمة اجتهاد العقل وإنجازه لمقتضيات الرحمة.
إن قدرتنا على اقتحام العقبة، والعقبة تحرير وعدل وسيادة، تتوقف على اكتساب لغتنا الشريفة المحتد سلطان الكفاءة العملية، سلطان السيطرة على المكاسب العلمية البشرية، سلطان الصلاحية للاستقلال بتلك العلوم والسير بها قدما نحو القوة الحقيق بها من يستخلفهم الله عز وجل في الأرض.
ليس المشكل هو إسعاف المتعلم والمفكر بالعربية بالكلمات اللازمة، لكن المشكل أن نطور أداة للتعبير عن العصر دون أن نضيع بعيدا عن لغة القرآن، أن نسعف العقل بأداة إجرائية مع تقوية لغة القلب.
إن اللغة العربية ملك مشترك بيننا وبين القوميين العرب، ملك بين المليار مسلم وبين حفنة فاعلة نشيطة من المثقفين. هؤلاء يريدون أن يبدأوا بعلمنة العربية، بجعلها لغة عامة، وبعضهم يريدها عامية، تخاطب كل العقول، لا صلة لها بالدين. يريدونها لغة عقل متفتحة على العقلانية الكونية، مندمجة فيها. لا يرون لها مستقبلا ما لم تكتسب المرونة من تطليق المفاهيم الدينية الغبية واعتناق الواقع الإجرائي المتطور.
نحن نريد عكس كل هذا، يريده كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر وإن كان لسانه العادي أعجميا. فمن الأداة اللغوية، ومن المواجهة بين المطلبين المتناقضين، ترتسم أمامنا إشكالية الصراع بين ثقافات علمانية مادية وبين رسالة الإسلام، وتنفتح أمامنا آفاق ليس الإثراء الفعلي للغة فيها أهون من مقاومة تغريب لغتنا وعلمنتها وبترها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمرالحسني



عدد المساهمات : 37
تاريخ التسجيل : 27/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: نظرات في أذواق ابن عربي النورانية   الثلاثاء سبتمبر 28, 2010 9:22 am

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد
أورد ابن عربي رضي الله عنه في كتاب الفكوك أن الأنسان الكامل الحقيقي هو البرزخ بين الوجوب والأمكان و المرآة الجامعة بين صفات القدم و أحكامه و بين صفات الحدثان وهو الواسطة بين الحق و الخلق به ومن مرتبته يصل فيض الحق و المدد الذي هو سبب بقائه ما سوى الحق الى العالم كله علوا وسفلا ولولاه من حيث برزخيته التي تغاير الظرفين لم يقبل شيء من العالم المدد الألهي الوحداني لعدم المناسبة و الأرتباط و لم يصل أليه.
وكان الشيخ رحمه الله يقصد ما أراد بنظر الحق الى الخلق و رحمته عليهم الا وصول الفيض من مرتبته اليهم.
ووصول الفيض لم يكن الا عن طريق الوحي و علومه ، وبلسان من اوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم.
ومعنى الكلم عند ابن عربي رضي الله عنه ، له ثلاث اوجه :
أ.كلمة جامعة لحروف الفعل و التاثير التي هي حقائق الوجوب.
ب.كلمة جامعة لحروف الأنفعال التي هي حقائق الأمكان .
ج.كلمة برزخية الجامعة بين حقائق الوجوب وبين حروف حقائق الإمكان فاصلة متوسطة بينهما وهي حقيقة الأنسان ، فلولا وجوده لم يحصل في العالم الجلاء و الأستجلاء الذي هو العلة الغائية من أتحاد العالم .وكل التعينات الأمكانية و الوجوبية مرتبطة بوجوده و تفنى بفناءه و أنتقاله لدار الآخرة.
يقول الجامي رحمه الله في تعليقاته على هذا في كتابه شرح الجامي على فصوص الحكم :*.......أعلم أن النشاة الدنيوية الحسية بمنزلة خزانة أختزن الحق سبحانه فيها الحقائق الأمكانية المظهرية و الحقائق والحقائق الأسمائية الألهية الظاهرة بها و لاشك أن كل واحدة من تلك الحقائق الإمكانية عبارة عن احدية جمع حقائق بسيطة متباينة متمايزة مقتضية بذاتها الأفتراق فالأمتياز كما كانت في الرتب العلمية متحدة بالوجود الواحد الذي يقتضي بذاته الوحدة و زوال الكثرة ،وبأعتبار هذا الوجود الواحد ظهر بعضها متبوعا و بعضها تابعا ، وبعد أتحادها بالوجود الواحد صارت حقيقة مظهرية تظهر فيها الأسماء الألهية بحسب قابليتها و أستعدادها و جمعيتها ، ولما كان الكون الجامع و الأنسان الكامل احدية جمع جميع الحقائق الإمكانية المظهرية ، وكان المقصود الأصلي و الغاية القصوى من ايجادها وجوده العنصري ، الذي هو مظهر أحدية جميع الحقائق الألهية كان وصول الأمداد الألهي و التجلي الوجودي ألى الحقائق المظهرية كلها قبل وجودها العنصري بواسطته ومن مرتبته ، وبعد وجودها العنصري فوض ذالك الإمداد أليه بأن وقع التجلي الأحدي الوجودي الجمعي أولا على حقيقته الأحدية الجمعية و برقيقة المناسبة التي بينه وبين حقيقة سرى أليها ثانيا ، فما دام كان ذلك الكامل مقصودا أيجاده أو بقاؤه في النشآت الدنيوية ووصل قبض التجلي من مرتبته أو وجوده اليها بقيت تلك الحقائق محفوظة من الخلل الذي تقتضيه التفرقة و المباينة التي كانت عنها قبل أيجادها بالوجود الواحد و الوحدة الذاتية لذلك التجلي وكان الختم عليها لئلا يفتحها تسلط تلك التفرقة و المباينة عليها و اقتضى التجلي التقلص و الأنسلاخ عنها.* شرح الجامي ص 60.61.
يقول ابن عربي مستدركا حقيقة أختبار الملائكة في السجود لآدم عليه السلام : * .......فتحفظ فقد وعظك الله بغيرك ، وانظر من اين اتي على من اتي عليه.
فأن الملائكة ،لم تقف مع ما تعطيه نشاة هذا الخليفة و لا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية.
لإنه ما يعرف أحد من الحق الا ما تعطيه ذاته ، و ليس للملائكة جمعية آدم .
ولاوقفت مع الأسماء الألهية التي تخصها و سبحت الحق بها و قدسته ، وما علمت أن لله اسماء ما وصل علمها اليها ، فما سبحته بها و لا قدسته فغلب عليها ما ذكرناه وحكم عليها هذا الحال فقال من حيث النشاة:- أتجعل فيها من يفسد فيها- البقرة :آ30.
ولس ألا النزاع وهو عين ما وقع منهم فما قالوه في حق آدم وهو عين ما هم فيه مع الحق.
فلولا ان نشاتهم تعطي ذلك ما قالوا في حق آدم ما قالوه وهم يشعرون.
فلو عرفوا نفوسهم لعلموا ، ولو علموا لعصموا.
ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التقديس و التسبيح.
وعند آدم من الأسماء الألهية ما لم تكن الملائكة تقف عليها ، فما سبحت ربها بها و لا قدسته عنها تقديس آدم و تسبيحه.
فوصف الحق لنا ماجرى لنقف عنده و نتعلم الأدب مع الله تعالى فلا ندعي ما نحن متحققون به وحاوون عله بالتقييد ، فكيف ان نطلق في الدعوى فنعم بها ما ليس لنا بحال و لا نحن منه على علم فنفتضح ؟ فهذا التعريف الألهي مما أدب الحق به عباده الأدباء الأمناء الخلفاء.
ثم نرجع الى الحكمة فنقول : أعلم أن الأمور الكلية وان لم يكن لها وجود في عينها فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن ، فهي بطنة لاتزول عن الوجود العيني .
ولها الحكم و الأثر في كل ما له وجود عيني.
بل هو عينها لا غيرها ، اعني أعيان الموجودات العينية.
ولم تزل عن كونها معقولة في نفسها فهي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات كما هي الباطنة من حيث معقوليتها.*
شرح الجامي ص : 62.63.64.65
1.أشارات قرآنية :
قد تقدم ما في ضمنه أن الله تعالى مهما أورد في كتابه من الحكايات ، واستطرد من القصص فلا تحمله على مجرد التفكه و الأستطلاع على أخبار من مضى.ففي كل قصص قرآني بحر من العلوم ، منها ما يشير الى الفرد والاخر ألى الجماعة.
فيكون كلاما مفرعا عما هو الأهم وكلام الله أنفع من ذلك ، أنما مراده تعالى منا التأسي و التسلي بذلك واستنباط الأحكام و استجلاب الأخلاق ، وغير ذلك مما يحصر كثر زيادته على أيراد الحكاية.
لاشك ان الفص الآدمي الذي كتبه ابن عربي رضي الله كما يقول وكما تلقاه من الحضرة المصطفوية ، اثبث العلم المطلق لله تعالى ، وعجز الخلائق رغم قربها منه ونخص آدم عليه السلام و الملائكة عليهم السلام في معرفة جوهر التعليم الألهي لآدم عليه السلام ، ومعنى الخلافة.من هنا تثبث صفة النسبة بين الخلق و الرب ، وتنفي في الأحدية و الواحدية والوحدانية و الأنية و الهوية و الصفة و الأسم فهي كلها لله تعالى لايشاركه فها أحد.فهو وحده لا شريك له و لامثيل.
والربية ثابثة للعبد بقد طاعته لله تعالى و سماعه للوحي.
وهي نعمة منه سبحانه وتعالى ، شاملة للنوع الأنساني لمن تأمله من جهة تخصصه بالخلافة الألهية دون بقية الأجناس العلوية و السفلية ، فهي مكانة أبعد من تتناولها يد البشر بطريقة الأكتساب ، فكانت منة من الله تعالى على النوع الأنساني تستوجب الشكر .
2.حقيقة الوحي:
جذبت عناية الله السابقة عبده محمدا صلى الله عليه وسلم إلى ميقات نزول الوحي عليه، لما بلغ الأربعين من عمره حبب إليه الاعتزال والتحنث (وهو التعبد). فكان يخرج إلى غار حراء الليالي ذوات العدد يتزود لذلك.

روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن الوحي فاجأه في الغار. فجاء الملك جبريل عليه السلام فقال له : اقرأ. قال صلى الله عليه وسلم : "فقلت ما أنا بقارئ". فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد". ثم غطه الثانية والثالثة. ثم قال له : ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم﴾ (سورة العلق، الآيات : 1-5).

قالت عائشة رضي الله عنها : "فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده. فقال لخديجة : زملوني، زملوني ! حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة -وأخبرها الخبر- لقد خشيت على نفسي !

"فقالت خديحة : كلا ! أبشر ! فوالله لا يخزيك الله أبدا ! إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق".

فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي -وهو ابن عم خديجة أخي أبيها- وكان امرء تنصر في الجاهلية. وكان يكتب الكتاب العبراني. فكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي.

فقالت خديجة : يا ابن عم ! اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة : يا ابن أخي ! ما ذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى.

فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نزل الله على موسى. يا ليتني فيها جدعا ! ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك !

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أو مخرجي هم ؟ ! "

قال : نعم ! لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي. وإن يدركني يومك حيا أنصرك نصرا مؤزرا".

هكذا نزل الوحي على رجل ما كان له علم بالناموس الذي ينزله الله على من يشاء من عباده.

ما كان يعلم، فلذلك فزع من رؤية رجل غريب يخاطبه ويغطه (أي يضمه بشدة) ويطلب إليه أمرا ليس له به عهد وهو الأمي.

لم يكن فيلسوفا متطلعا إلى ميتافيزيقا. لا ولا قارئا مثقفا مطلعا على تاريخ الأنبياء.

إنما كان رجلا منصرفا إلى شأنه في تجارته وأسرته وقرابته كما ينصرف الناس، حتى استيقظت الفطرة في قلبه. فرفع بصر قلبه إلى الأفق الأعلى، إلى أفق السؤال المفتقر. فجاءه الجواب الخاص الذي ينزله الله على صفوة خلقه، وهم رسله وأنبياؤه عليهم السلام.

سردنا كيف نزل الوحي. وليس الكيف والحدث جوابا عن عنوان هذه الفقرة الذي يطلب تفسير ماهية الوحي.

ما هو الوحي ؟

يستطيع كل أن يجيب بما عنده من تخرص أو استنتاج أو تعريف لغوي.

فالمحلل النفسي المستشرق يستجمع آلات صناعته ليستدل على أن الرجل كان صادقا في الإخبار عن الحدث. لكنه، مثل غيره ممن يعانون من الذهان وانفصام الشخصية خاطبته أشباح هلوساته.

وقال المعاصر الذي كذب وتولى بعد أن فكر وقدر وعبس وبسر : ﴿إن هذا إلا سحر يوثر، إن هذا إلا قول البشر﴾.

وقال آخرون ممن صموا عن سماع النداء : مجنون، كذاب، أفاك.

وقال اللغوي : الوحي الإشارة السريعة.

وقال الله عز وجل : ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أويرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء. إنه علي حكيم﴾ (سورة الشورى، الآية : 48).

فالوحي كلام يكلم الله به عباده المصطفين إما للاهتداء في حد ذواتهم، فتلك النبوءة، وإما يصطفيهم سبحانه لحمل رسالته لمن يشاء من خلقه، وتلك رسالة الرسل عليهم السلام، وقوامها النبوءة.

يوحي سبحانه إلى أنبيائه ورسله بالكلام القدسي كما أوحى إلى موسى عليه السلام، أو يرسل أمينه على وحيه جبريل عليه السلام فيوحي بإذنه ما يشاء.

ويوحي سبحانه إلى عامة المستجيبين للرسل بواسطة الرسل عليهم السلام كما قال تعالى : ﴿وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة﴾ (سورة الأنبياء، الآية : 72).

ويوحي إلهاما كما قال عز وجل عن النحل : ﴿وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا﴾ (سورة النحل، الآيتان : 68-69).

ويوحي سبحانه إلى عمار السماوات من الملائكة كما قال عز وجل : ﴿وأوحى في كل سماء أمرها﴾ (سورة فصلت، الآية : 11).

ويوحي إلى الملائكة أمره العزيز في المواقف الخاصة كما أوحى إليهم سبحانه في واقعة بدر : ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب. فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ (سورة الأنفال، الآية : 12).

وأوحى سبحانه إلهاما إلى أم موسى عناية منه سبحانه بوليدها السعيد : ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني. إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ (سورة القصص، الآية : 6).

ويوحي سبحانه ببشرى في المنام للسعداء من المومنين كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوحي ارتفع من بعده وبقيت لأمته المبشرات وهي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة.

فاجأه الوحي صلى الله عليه وسلم وأفزعه، لأنه لم يكن ينتظر الحدث الجلل. كما قال الله عز وجل يخاطبه فيما بعد : ﴿وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك﴾ (سورة القصص، الآية : 86) وقوله عز من قائل : ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان. ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾ (سورة الشورى، الآية : 49).

جاءه الوحي صلى الله عليه وسلم. كلمه ربه بواسطة الملك الكريم. وأمره بالقراءة إذ القراءة مفتاح العلم. وعلمه الجواب الإجمالي عن السؤال الفطري الذي يلح على القلوب السليمة وتعمى عنه وتجهله وتتجاهله الفطر المريضة.

﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق﴾ (سورة العلق، الآيتان : 1-2).

في أول جملة كلم بها الحق سبحانه خاتم أنبيائه وتاج رسله، جاء الجواب بأن الله هو الخالق لا الأصنام، ولا الأبوان، ولا الطبيعة، ولا السلحفاة الماكرة في جزر الجلاباجوس تكيف أعضاءها لتتلاءم خلقتها مع البيئة المحيطة.

وفي ثاني جملة إخبار بأصل خلق الإنسان في أحشاء ظلمة البطن، علقة ثم خلقا بعد خلق حتى يستوي الجسم ويخرج إلى الوجود الخارجي لغزا على نفسه إلا أن تتداركه العناية الإلاهية فيصغي.

وحمل صلى الله عليه وسلم الرسالة إلى العالمين مبدأها الأول معرفة الخالق وتوحيده وعبادته.

جاءت الرسالة إلى الأرض لينشأ لها دعاة وحملة ينصرون الرسول ويجاهدون إلى جنبه. واختار العلي الحكيم سبحانه أمة أمية فارغة من كل علم، قليلة البضاعة من مكتسبات الحضارة، قبائل متفرقة تظهر إحدى معجزات الرسول المبعوث في جمع كلمتها، جاهلة سرعان ما تتعلم لتكون بعد فترة وجيزة أستاذة العالم.

كانت العرب في جاهليتها تعبد أصناما، لكل قبيلة وفخذ وأسرة صنمها المفضل. يصنع المتواضعون آلهتهم من خشب منحوت أو حجر منصوب أو خبز يأكلونه عند الحاجة. ويستورد عسلية القوم أصنامهم من الشام وأطراف الشام المتحضرة المتقنة للفنون الهانستية التي احتلت بثقافتها تخوم بلاد العرب منذ غزوات الإسكندر المقدوني.

وحي يتلى على قوم أميين بهرتهم بلاغته، وأعجزهم بيانه وهم بلغاء العرب وفصحاؤها، فكان الوحي وإعجازه وتحديه الذي لم يرفعه منهم رافع أظهر المعجزات. ومعجزات أخرى كثيرة ظهرت تأييدا إلهيا على يد الرسول كما تظهر على أيدي رسل الله عليهم سلام الله.

وحي يحمله رجل عرف بالأمانة والصدق والشرف.

ومعجزات خارقات مثل شق القمر. وقوم أميون قريبون من الفطرة مجردون من الحمولة الحضارية الثقيلة التي تغلف الإنسان في أردان مادته ومصنوعاته ومنحوتاته الصنمية الحجرية أو الفكرية الفلسفية.

قوم مع ذلك لبعضهم على بعض سيادة، وامتيازات ورئاسات ومصالح.

وعودي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوتل. ونهض معه النهضة العظيمة التي نقرأها في السيرة قوم سمعوا واستجابوا.

وصحب الوحي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مراحل جهاده. في الأحداث الكبرى مثل مسراه ومعرجه الشريف حين ناجاه ربه سبحانه منه إليه. وفي غزواته الحاسمة مثل بدر وأحد والفتح وحنين والعسرة.

وصحبه الوحي صلى الله عليه وسلم يفصل له ولأمته ما فرض الله عليها وما أحل وما حرم. ويبشر وينذر.

كان الوحي في مكة لمدة ثلاث عشرة سنة يركز انتباه المؤمنين والمؤمنات على التوحيد وعلى الآخرة. ثم كان جل ما تناوله بعد ذلك الحث على الجهاد، وضرب الأمثال بصبر الرسل وجهادهم، وتوجيه المسلمين في المواقف التي يحار فيها الرأي، وأحكام التشريع.

لم يقص الوحي العقل المعاشي المدبر للشؤون الحياتية. بل نصبه أميرا في مجالاته المشتركة بين البشر عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار في مسألة تأبير النخل : "أنتم أعلم بأمور دنياكم".

ولم يعتقل الوحي العقل المدبر المبتكر اليقظ المتفاعل مع الأحداث يعرف الضار من النافع، والأليق من المخطئ.

لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه ويستطلع رأيهم ويتوسط في خلافاتهم فيما يرجع للرأى والحرب والرحلة والمنزل والقسمة. مستهديا هو وهم بالوحي واقفين عند نصه وروحه، مجتهدين في التطبيق حسب الاستطاعة والمقدار الموفي بالغرض، وحسب الزمان والمكان.

وتنوعت طرق نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة يشاهدون ويعيشون مع الوحي والموحى إليه في وقائع يومية تأكدوا فيها من صدق الصادق الأمين وازدادوا إيمانا على إيمان.

قال تعالى : ﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا. فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون. وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون﴾ (سورة التوبة، الآية : 126).

كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم الهيبة العظيمة في قلوب أصحابه رضي الله عنهم. بشريته واصلة بينه وبينهم، يشاركهم في المطعم والملبس والمسكن والسراء والضراء والمرض والصحة والفقر والغنى. وكان الوحي واصلا بينه وبين القدس.

كان الواسطة صلى الله عليه وسلم. وتلك نموذجيته التي أخبر عنها قوله تعالى : ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾ (سورة الكهف، الآية : 105).

وتلتقي البشرية المحمدية مع الوحي، فيسأله الصحابي الحارث بن هشام : "يار سول الله ! كيف يأتيك الوحي ؟ فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني. فأعي ما يقول".

ومرات زارهم الأمين جبريل عليه السلام على صورة دحية رجل يعرفونه، فيحسبون أنه من يعرفون، حتى يخبرهم صلى الله عليه وسلم أنه جبريل جاءهم يعلمهم دينهم.

كانوا يعرفون من تغير بشريته صلى الله عليه وسلم متى ينزل عليه الوحي. فيقول عبادة بن الصامت رضي الله عنه : "كان نبي الله إذا أنزل عليه كرب وتربد له وجهه". وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي "غمض عينيه، وتربد وجهه".

كان الوحي حدثا يوميا وأمرا معروفا وظاهرة مألوفة.
فكفى نتلقى الوحي حيا طريا متجددا ؟، فنلبي و نسمع ونشهد ونصحب أن لم يكن في كنف الأولياءالمكرمين أمثال الشيخ ابن عربي قدس الله سره.
3.خواطر حول ابن عربي:
ولد الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي في 27/7/1165 م، في قرية صغيرة اسمها مرسية، إلى الشرق من بلاد الأندلس، من والد كان من المقربين من سلطان اشبيلية، Sevilla حاليًا، ووالدة تدعى نور. ورث التدين والتصوف عن عمه عبدالله بن محمد ابن عربي، الذي كان من أهل طريق الله، ويقول عنه:

دخل عمي هذا الطريق في آخر عمره على يد صبي صغير، لم يدر ما هذا الطريق دخله وهو في الثمانين.

وفي مقدمة كتابه الاسراء إلى مقام الأسرى يروي لنا الشيخ الأكبر عن رحلته الشخصية في هذا الكون، اخترنا منها أول ما جاء فيها لشدة جماليته، ولنستشف تأثر الشيخ مولانا الأكبر برحلة عمه؛ يقول في باب سفر القلب ص 172:

قال السالك: خرجت من بلاد الأندلس أريد بيت المقدس وقد اتخذت الإسلام جوادًا، والمجاهدة مهادًا، والتوكل زادًا، وسرت على سواء الطريق أبحث عن أهل الوجود والتحقيق، فلقيت "فتى روحاني الذات"، رباني الصفات، يومئ إلي بالالتفات فقلت: ما وراءك يا عصام؟ قال: وجود ليس له انصرام. قلت له: هذه أرواح المعاني، وأنا ما أبصرت إلا الأواني. قال: أنت غمامة على شمسك فاعرف حقيقة نفسك، فإنه لا يفهم كلامي إلا من رقا مقامي.

أمضى الشيخ الأكبر ابن عربي سنوات طفولته ومطلع شبابه في مدينة اشبيلية، حيث تتلمذ على يد نخبة من فقهائها، ثم قرر أن يمضي حياته مرتحلاً، فانتقل إلى مدينة فاس شمال المغرب، حيث عاش فيها زهاء عشر سنوات، وفيها تمت له مشاهدته الأولى أثناء إمامته لجماعة من المصلين في جامع عين الخيل في فاس، والذي ما زال قائمًا إلى اليوم، ثم بدء أسفاره نحو المشرق، مرورًا ببلاد الرافدين ثم مكة، حيث مكث فيها ليكتب أهم مؤلفاته الفتوحات المكية، من 12 مجلدًا؛ منتهيًا به الطريق إلى الشام حيث وافته المنية هناك في 14/11/1240م، ودفن في سفوح جبل قاسيون المطل على الشام، وتحول ضريحه إلى مزار فيما بعد.

خمسة وسبعون عامًا عاشها ابن عربي تاركًا خلفه أكثر من 23 اجتهادًا ومؤلفات وكتبًا كثيرة تعد بمثابة كنوز ومجموعة من الرسائل هي موضوع بحثنا الآن.

تتألف هذه الرسائل من 21 رسالة في 544 صفحة، جمعت وصدرت عن دار صادر للطباعة والنشر في بيروت، وهذه ليست كل رسائله. سنسلط الضوء على ما هو يقبل امتصاص الضوء منها، ونعرض عمّا هو مكنوز فيها ومستقر لا يدركه إلا من كان على مستوى رفيع من الكشف والادراك والحس والذوق في الطرق الصوفية التي كان الشيخ الأكبر ابن عربي أحد أبرز أعلامها.

بالنسبة إلى البعض، فإنهم يعتقدون أن الصوفية تعني التقشف والبعد عن المجتمع والانزواء، في حين نجد، من خلال كتابات ابن عربي، أن لديه مفهومًا خاصًا يفهم فيه الحياة بمعناها الشمولي الواسع أو الخاص والضيق، وهو الحب. الحب هو عنده بمثابة سر وأساس تقوم عليه شرعة تعامل الإنسان مع ذاته أو مع غيره:

لقد صـار قلبي قابـلاً كل صـورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان
أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالـحـب ديـنـي وإيمانـي

والمحبة لا تتحقق سوى بالمعاملة، لذلك فإنها تقتضي وجود المحبوب، وبالتالي المخالطة والاختلاط بالناس وبالمجتمع والتفاعل معه ولكن بشروط. فإن أردنا أن نحب علينا أولاً أن نغلّب إرادة المحبوب على إرادتنا، فهذا هو مفتاح المحبة:

كل محبة لا يؤثر صاحبها إرادة محبوبه على إرادته لا يعوّل عليها

وكل محبة لا يكون فيها هذا الايثار تتحول إلى تسلط أو تملك أو قيد نكبل فيه الحبيب. فالأصل في اختراق الآخر هو الولوج إلى قلبه بلطف، من دون أن نقتحم كيانه الحسي والأناني والمعنوي، فكل لديه حساسية معينة، وكل يريد الأفضل لنفسه وكل يعتبر نفسه محقًا.

المحبة عند ابن عربي هي تضحية وانبساط في سبيل المحبوب، وفناء في سبيل الخالق، وهي في الوقت نفسه اختراق لذات المحبوب كي نجعله يحبنا بالطريقة التي نحبه فيها..

رؤية القلوب على قدر صفائها

وللعلاقة بالخالق عند ابن عربي دلالة خاصة. فهو يعتبر أن الطريق لمعرفة الخالق تنطلق حتمًا من القلب الذي هو على تواصل في كل نبضة مع خالقه، والذي إن توقف عن النبض للحظة واحدة فني الإنسان..

"رؤية القلوب على قدر صفائها" فالقلب هو منبع الإيمان، وبقدر ما كانت القلوب صافية داخلها بقدر ما كان التواصل مع الخالق أفضل وأوضح وأسهل:

فإنه ما في الوجود إلا الله تعالى وصفاته وأفعاله، فكل هو وبه ومنه وإليه ولو احتجب عن العالم طرفة عين لفني العالم دفعة واحدة.

لكن القلب ليس هو وحده أساس المعرفة، بل هناك أيضًا دور ما يؤديه العقل وما ينتجه من فكر. لذلك جاءت رسائل ابن عربي تدعو إلى تنوع المعرفة وشموليتها: "كل معرفة لا نفع فيها لا يعول عليها" وبناء على ذلك إن معرفة القلب، إن لم تقترن بمعرفة العقل والادراك والحس والشعور، لا يعول عليها.

الظلم لا يدوم والمظلوم هنيئًا له

ومن المحبة ينتقل بنا ابن عربي إلى مسألة احترام النفس وتحقيق الذات في المجتمع، ومفهوم العدالة الاجتماعية والظلم والتكبر. فبالنسبة إليه "إن المظلوم حي قيوم"، وهو يفضل أن يكون المرء مظلومًا على كونه ظالمًا بل يذهب مع المظلوم إلى درجة التحقير والجهالة والغلبة، ويرى أن لا خجل في ذلك للمظلوم وإنما عزة وأجر:

عزك في أن تجهل، وإذا جهلت حقرت، وإذا حقرت غلبت، فلا تنتصر.

المنع والعطاء

وكما هو حال المظلوم الذي يبقى الأفضل وأعز من الظالم على حقارته وانكساره وذلته، فإن الفقير هو أحسن حالاً وأعظم شأنًا من الغني. وهنا يحدثنا الشيخ الأكبر عن مفهوم "المنع والعطاء"، والمنع هو المنع من الحصول على النعم ورغد العيش. والعطاء هو عكس ذلك، فيرى من منظوره العرفاني أنه كلما أعطي المرء بعد عن الله وكلما أخذ منه اقترب من الله، وهو يعتبر أن من أعطي يكون بالحقيقة قد أخذ منه، لأن العطاء هو بمثابة منع له من التقرب إلى الله. أما إذا أخذ منه فيكون هذا الأخذ عطاء له يخوله التقرب أكثر من الله:

إذا منعت فذاك عطاؤه، وإذا أعطيت فذاك منعه، فاختر بين الترك والأخذ.

الرحلة الليلية

ولعل من أبرز رسائل مولانا الأكبر ابن عربي، وأهمها، كتاب الأسرار إلى مقام الأسرى. ويلي هذا الكتاب، أهمية، كتاب الإسفار عن نتائج الأسفار، وهو محاولة توصيف رحلة الإنسان الأزلية، فالسفر هو قدر الكون والبشرية معًا، وما هذا العالم السفلي الذي نسير فيه ونسافر في أصقاعه سوى محطة نعبر فيها في سفرنا العرفاني الأزلي والمستمر باستمرار الوجود:

إن الأفلاك ما تزال دائرة بمن فيها لا تسكن ولو سكنت لبطل الكون.

إن عالم الأجسام ما زال في رحلته الأبدية نحو الأسفل.

خير زاد التقوى وليس للمقيم زاد بل الزاد للمسافر فقط.

فإن السالك المحقق هو من يدرك أنه، في حياته اليومية، إنما ليس بمقيم أو ثابت، ولكن بمجرد عابر وزائر، وزاده في عبوره هو التقوى بمفهوم ابن عربي هي العطاء والزاد بالمفهوم اللغوي هو ما يتزود به المسافر في ترحاله من مكان إلى مكان.

والسالك في الطريق إلى الخالق عليه أن يكون مستعدًا في كل لحظة للسفر للرحيل:

ما من منزل تشرف عليه إلا وتقول أنه غايتي ثم أنك إذا بلغته لم تلبث أن ترحل عنه.

ويقسم ابن عربي الأسفار إلى ثلاثة أقسام: السفر من عنده، والسفر إليه، والسفر فيه. ولكن يعني أن كل هذه الأسفار ليست سوى جسور نعبر عليها لبلوغ ذواتنا:

إنما هذه الأسفار كلها قناطر وجسور نعبر عليها إلى ذواتنا وأنفسنا.

هذا العبور يتاح لنا عن طريق الخلوة، وهي عزلة العزلة. فنختلي بأنفسنا لكي نطهر أفكارنا وقلوبنا من السموم التي أصابتنا في مخالطتنا للناس، فتصفى الناس أولاً ثم القلب، فنطلب السهر لابقاء العين يقظة والقلب نابضًا في حب الله، ولا نكثر من الطعام لأن المعدة الممتلئة تشوش على أفكارنا الإيجابية، وتحولها إلى سوداوية، والكيان المادي لفلسفة ابن عربي يقوم على ايجاد الوقت للخلوة ومجاهدة النفس والجوع والسهر والصمت.

إن الصمت يورث معرفة الخالق، السهر يورث معرفة النفس.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمرالحسني



عدد المساهمات : 37
تاريخ التسجيل : 27/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: نظرات في أذواق ابن عربي النورانية   الثلاثاء سبتمبر 28, 2010 9:23 am

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه،
وقبل أن نستعرض كتاب الأستاذ شودكيفِتش فصلاً فصلاً، نقف على امتداد فصوله العشرة، لنلقي عليها نظرة واحدة شاملة جامعة – نظرة ترى المخطَّط غير المكتوب الذي اتَّبعه المؤلِّف.

لقد بدأ في الفصل الأول بدراسة مفرد "ولي" و"ولاية" لغويًّا، ليرى، أولاً، أنه اسم مشترك بين مسمَّيين: أحدهما سلبي، بمعنى الولاء لله، وثانيهما إيجابي، بمعنى الإدارة والإمارة؛ وليرى، ثانيًا، أن اسم "ولي" هو أيضًا مشترك بين الإنسان وبين الله: فالإنسان ولي، والله ولي.

ثم في الفصول الثاني والثالث والرابع والخامس، بيَّن شودكيفِتش أن الولاية معناها القُرْب. ولكن هؤلاء المقرَّبين، أي الأولياء، ليسوا على مظهر واحد، وليست لهم شخصية واحدة؛ بل، على العكس، نرى أن كلَّ وليٍّ يظهر بشخصية وعلم وعمل وحال تختلف عن غيره من الأولياء. ويرجع سبب اختلاف شخصيات الأولياء إلى اختلاف شخصيات الأنبياء: فالولي هو في الحقيقة وارث لنبي من الأنبياء، يَرِثُ عنه نمط العلم والعمل والحال.

ثم في الفصلين السادس والسابع يبيِّن شودكيفِتش أن هؤلاء المقرَّبين الأولياء، الذين ورثوا شخصيتهم في الولاية عن نبي من الأنبياء، لا يعيشون على هامش الكون، بل يأخذ كلٌّ منهم مكانه ومنزله ويباشر منه مهامه. ويعدِّد شودكيفِتش في هذين الفصلين منازل الأولياء وتوزُّعهم على أركان الأرض وأبراج السماء.

وفي الفصلين الثامن والتاسع يبيِّن شودكيفِتش أنه يتبع عن ختم النبوة أن تُختَم الولاية أيضًا، لأنها إرث نبوي. ثم يرسم دوائر الولاية وأختامها: فالولاية المحمدية قد خُتِمَتْ بشخص لم تقطع النصوص في هويته؛ وبقي أن تُختَم الولاية العامة بشخص عيسى (عليه السلام) الذي يظهر في آخر الزمان؛ ويليه ختم ثالث هو خاتم الأولاد، يولد في الصين، وبعده يرتفع الإيمان والعلم من قلوب الناس، وتسرع الدنيا نحو الزوال.

ثم في الفصل العاشر والأخير بيَّن شودكيفِتش للناس طريق الولاية المفتوح: ولاية يحفُّها التعب والمخاطر، بشهادة الواصلين والسالكين. ونقول إنه مهما كان التعب كبيرًا فالولاية هي إنسانية الإنسان، هي استمرار جنسه الراقي واستمرار الدنيا. لذلك نشعر من كتاب شودكيفِتش بأن الولاية هي الأمانة التي على الجنس البشري أن يحملها، طوعًا أو كرهًا، وأن الصوفية هم الذين تقدَّموا ليحملوا أمانة الدنيا واستمرارها.

*

وأحب هنا، قبل أن أبدأ عرضي لكتاب الأستاذ شودكيفِتش، أن أقف عند بعض الملاحظات حول الكاتب والكتاب.

ملاحظات حول الكاتب والكتاب:

1. نبدأ بأن نلفت النظر إلى كمية النصوص الصوفية العربية المترجمة إلى الفرنسية – وهي نصوص تصعب حتى على قارئ العربية؛ فلا نملك إلا أن نعجب بغربي يدخل إلى روح اللغة العربية، يترجم نصوصها ترجمة توضِّح النص الأصلي، المبهم أحيانًا، ويظل أمينًا على النصوص. وليس هذا بمستغرب من إنسان متصوِّف، تثقَّفتْ أعماقُه وارتقتْ مداركُه مع معلِّم كبير هو الشيخ محيي الدين بن عربي.

2. سيطر على طرح الولاية عند الأقدمين والمحدثين بعض المواضيع التي أخذت تتكرر في كلِّ بحث عن الولاية. فكلُّ من أراد أن يؤلِّف في الولاية يبدأ بفصل عن الولي وقواه الخارقة؛ ثم يثنِّي بالدفاع عن إمكانية وجود وليٍّ، شرعًا ثم عقلاً؛ ويرجع إلى القرآن والحديث والصحابة، ليبيِّن أن الولاية موجودة منذ البدايات، وأن الكرامات غير مستبعَدة، شرعًا وعقلاً. باختصار، كلُّ الدراسات التي اهتمت بالولاية انحصرت تقريبًا في الدفاع عنها أو في مهاجمتها، وفي كلِّ الأحوال، ظلت تنظر إلى الولاية من خارج، تعتبرها مظاهر تظهر في علم لدُنِّي وفي كرامات وخوارق. لذلك فهذه هي المرة الأولى التي نجد فيها بحثًا في الولاية يفارق هذا الطرح الذي أضحى تقليدًا، ويدخل إلى عمق هذا المفهوم: يحلِّل معناه، يبيِّن هوية الولي ودوره في الكون، ويرتِّب عالم الروح والفعل. ونسجِّل هنا إكبارنا لإنسان خرج بطرح الولاية عن التقليد الذي سيطر عليه قرونًا طويلة. قد يقول الأستاذ شودكيفِتش – تواضُعًا – إنه ليس هو الذي خرج بطرح الولاية عن التقليد المتَّبع، بل ابن عربي هو الذي خرج عن التقليد. نعم، قد يكون هذا صحيحًا؛ ولكن قرونًا سبعة تفصلنا عن ابن عربي، ولم يرَ أحدٌ الولاية عنده على هذا الكمال، ولم يفكِّر باحث أن يخرج بنظرته إلى ابن عربي عن التقليد المتَّبع في طرح الولاية.

3. تتبَّع الأستاذ شودكيفِتش مفهوم الولاية عبر تحقُّقه في الأولياء، وحاول أن يخلِّص معنى الولاية من تجربة الأولياء الشخصية، فرجع إلى النصوص الأصلية التي سجَّلت مشاهداتهم وأحوالهم وعلومهم – كلُّ ذلك يجعل الكتاب جديدًا في نمطه. إذ جرى التقليد أن يتبع الباحث مفهوم الولاية عبر التنظير السابق؛ ولكن شودكيفِتش هنا ترك التنظير وما كُتِبَ عن الولاية، ليتلمَّس نظرية يؤلِّفها بنفسه ويستقيها من حياة الأولياء. فتجربة الولي الشخصية، وإن كانت لا تتكرر أبدًا، إلا أنها تضيف ملامح جديدة إلى صورة الولي – هذه الصورة التي كانت تتحدد تقاطيعُها مع نصوص الأولياء.

4. إن كان الولي عند الكلاباذي في التعرُّف "محفوظًا من النظر إلى نفسه، ومن آفات البشرية"، فقد توسَّع الباحثون في دائرة هذا "الحفظ"، وتفنَّنوا في إخراج الولي ليس من آفات البشرية، بل من البشرية نفسها! وكانت النتيجة أنه كلما انقطع الولي عن علائقه الدنيوية وفارق دائرة عواطفه البشرية تكرَّس وليًّا في نظر الباحثين والناس. والولي – في نظر السوى – هو إنسان بدنُه أرضي وروحُه سماوية، أباح جسمَه لِمَن أراد مجالسته، وحبيبُ قلبه في الفؤاد أنيسه؛ إنسان يعيش دون عواطف إنسانية ودون مشاعر بشرية، لأن عواطفه ومشاعره كلَّها مستلَبة بالحبِّ الإلهي؛ إنسان فوق الحبِّ الإنساني، فوق مشاعر الأبوَّة والحنان. ولعلنا هنا – ولأول مرة – نقف متعاطفين مع صورة الولي كما ترسمها النصوص التي اختارها شودكيفِتش، ووظَّفها أحسن توظيف: فالولي هو إنسان، أولاً وآخرًا، إنسان يشعر، يحب؛ وهو في أعلى درجات القرب يتقطَّع قلبه على طفله المحموم. وشودكيفِتش هو أول من ألقى الضوء على إنسانية الولي؛ إذ كلُّ من سبقه من الدارسين اهتم بخوارق الولي وبمظاهر الألوهية المتجلِّية فيه، وجعله مفارقًا لعالم البشرية، وكأن كلَّ شعور بشري هو نقص وعلائق وسقوط يجرح علوَّه ومقامه. ونحن هنا نتابع شودكيفِتش في نظرته إلى إنسانية الولي: فالفرق كبير بين أن يرقى الإنسان بمشاعره وعواطفه من آفات البشرية إلى آفاق الإنسانية، وبين أن يفارقها بالكلِّية. فالولي، كما يؤكد شودكيفِتش بحق في آخر كتابه، هو القريب من الله، القريب من الناس.

إن الولي هو القريب من الله، القريب من الناس. وهذا القرب من الناس هو امتداد لقرب الأنبياء من الناس، على علوِّ مكانتهم عند الله. فالأنبياء – وهم السلالة المختارة من الجنس البشري – عاشت مع الناس، وظلت قريبة منهم، تحقِّق الوصل بين الأرض والسماء. وليس للنبي وللولي، من بعد أن يعتزل قومه، أن يفارق الجمع، لما له من دور ووظيفة. فموسى (ع)، حين خلَّف قومه وراءه، وترك فيهم أخاه هارون، وعَجِل إلى ربِّه ليرضى، أضلَّ السامريُّ قومَه. فالنبي يكون من الناس قريبًا، والولي يتابع هذا الدور، لأنه الوريث والنائب، يحمل أعباء شريعة النبي، ويعيش مع الناس قريبًا منهم، ليحقِّق اتصال الأرض بالسماء، واتصال التابعين بالمتبوع. ويبيِّن شودكيفِتش أن الولي يؤكِّد النبوة، ويتابع دوره في البنية الدينية للمجتمع المؤمن.

5. نحن في زمن يتعرَّض فيه وجهُ الإسلام للكثير من التحريف والتشويه. لقد أمسك أعداء الإسلام بمرآة مقعَّرة الأعماق والجوانب، تعكس الوجه على أبشع صورة. وتتوالى التُّهم: الإسلام دموي، إرهابي، صِدامي، تطرُّف، تعصب، إلخ. شودكيفِتش هنا يصحِّح الرؤية، ويكشف عن انفتاح الدين الإسلامي على الأديان الأخرى، مؤكدًا أن الدين الإسلامي هو الشريعة الكاملة والنهائية التي أفسحت فيها مكانًا لكلِّ الشرائع السابقة، وأن النبي (ص) هو النموذج الإنساني الكامل، صاحب الرسالة العامة، أُرسِلَ رحمةً للعالمين، وجمع في شخصه كلَّ ما يطلبه إنسانٌ من نبي.

أخيرًا، نقول، إن كتاب خاتم الأولياء يعرِّف العالم الغربي على وجه من الإسلام تغيِّبه وسائلُ الإعلام والأغراض، وإن الروح تحقِّق لقاءً كونيًّا فوق مصالح المادة وتنازُع السياسة. ومن المفيد جدًّا أن يطَّلع قرَّاءُ العربية على نتاج الغرب في الإسلاميات، وخاصة على الدراسات الموثوقة والموضوعية، التي تشهد كلَّ يوم أكثر على كمال الإسلام ومقدرته على تلبيته التحديات الحياتية.

***

عرض الكتاب

قسَّم الأستاذ شودكيفِتش كتابه إلى مقدمة وعشرة فصول؛ نتناول كلَّ قسم بما يتناسب من التفصيل:

المقدمة (ص 13-27)

بدأ شودكيفِتش مقدمته مع مطالع ابن عربي على العالم الغربي. وكانت البداية مع كتابه اصطلاحات الصوفية، بترجمة غوستاف فلوغِل. وبعدها ترجم له نيكلسون ديوان ترجمان الأشواق. وتوالت بعد ذلك أعمال نيبرغ وآسين بالاثيوس. ثم جاءت سنوات ما بعد الحرب حاملة المزيد من النشر والترجمة والدراسة. وبرزت أسماء أمثال هنري كوربان وتوشِهيكو إيزوتسو. ويشير شودكيفِتش إلى التضارُب الذي برز حول شخصية ابن عربي في العالم الغربي، وذلك كما ورد في كتابات ماسينيون وكليمان هُوار وكارَّا دُهْ فو.

ولكن ابن عربي، الذي جمع في شخصه الولاية إلى العبقرية، وجمع في مؤلَّفاته العلوم المتنوعة إلى ضروب أشكالها، يفوق في نتاجه وشخصه ما كُتِبَ عنه. وقد ظلت الدراسات كلُّها جزئية وغير قادرة على الإحاطة به؛ فلم يحصره كاتب، ولم يعرف حقيقةَ وجهه باحث.

ثم ينتقل شودكيفِتش إلى الكلام على حياة ابن عربي، وعلى أهميته الشخصية كصوفي، وعلى أهمية صوفيَّته كذلك وأثرها على الأعمال التي وضعها، وخاصة الفتوحات. ثم تكلَّم على موقف العالم الإسلامي من الولاية والأولياء، ومن مظاهر تقديس العوام لهم، ليخلص إلى أن التصوف والولاية لا يفترقان: فالتصوف يوجد ويتغذى ويستمر في حياة الناس من مفهوم الولاية ومن وجود الأولياء؛ بل وظيفة التصوف تكمن في أنه يساعد على ظهور الأولياء، وأنه السماء التي يرتفع فيها نجمُ هداية الأولياء. والصوفي يشعر بأن عليه أن يعطي صورة الولي، ويعكس جميع كمالات التُّقى للناس. ومن جهة ثانية، فإن بنية المجتمع الإسلامي، أو بالأحرى التجمُّع الديني، تقوم على "خاصة"، هم الأولياء العلماء الحقيقيون، وعلى "عامة"، هم شعب يستقطبهم قطبُ الولي.

وعلى الرغم من أن ابن عربي كان مسبوقًا بكتَّاب وصوفية تناولوا موضوع الولاية، فهو أول من قدَّم فيها نظرية شاملة، وتتبَّع صورها الموروثة من شخصيات أنبياء الأديان كافة: ولي موسوي، ولي عيسوي، ولي إبراهيمي، إلخ.

وحيث إن العمل في ابن عربي شامل وصعب، يرى شودكيفِتش أنه من الأفضل أن يرتكز على نصوصه خطوة خطوة، وبطريقة مخلصة، حتى يصل إلى توضيح رؤيته.

الفصل الأول: "اسم مشترك" (ص 29-39)

يبدأ الأستاذ شودكيفِتش الفصل الأول بإيراد بعض رؤى منامية لابن عربي، يرى فيها الأنبياء (ع) بمفردهم أو هم وأتباعهم. ومن هذه الرؤى تظهر مكانة ابن عربي الروحية؛ ويظهر له كذلك أن ابن عربي يرى، منذ البداية، أن الأولياء لا ينفصلون عن الأنبياء مطلقًا، وأن الولاية لا تستقل أبدًا عن النبوة، بل تتبعها دائمًا. فالولي هو "على قَدَم" نبي، يتبعه في العلم والعمل والحال. وهذه الرؤى يؤيِّدها كلامُ تلميذه صدر الدين القونوي، الذي كان يقول إنه في طاقة أستاذه أن يجتمع بروح من يشاء من الأولياء السابقين الراحلين: وهذا كتاب التجلِّيات لابن عربي شاهدٌ على مثل هذه اللقاءات.

ينتج من كلِّ ما تقدَّم أن رؤية ابن عربي ليست نظرية تقوم على عدم التناقض الفكري، وليست أيضًا مستقاة من النصوص الإسلامية، كأية نظرية دينية أخرى، بل هي تدوين لواقع معيش، يجد مصدره في تجربة شخصية وذوق وعيان.

هذه "الفتوحات الربانية" التي ألهمت ابن عربي مباشرةٌ وغير مباشرة: الإملاء الإلهي، وتَوالي شهادات الغيب على صفحة كتبه، ثم صعوبة التقاط مذهبه بكلِّ تدرُّجاته وشموله – ذلك كلُّه يفسِّر جزئيًّا الهجوم العنيف الذي تعرَّض له ابن عربي ونظريته في الولاية؛ والباقي أكمله الظنُّ السيئ والفهم المغلوط.

يخصِّص شودكيفِتش هذا الفصل لبحث معنى "ولي"، كما وَرَدَتْ في معاجم اللغة: يرجع إلى الجذر، ويرى أن "ولي" تُطلَق على معنيين: الولي هو الصديق والقريب والتابع والمحب، والموالاة ضد المعاداة؛ والولي أيضًا هو المدبِّر والنصير من الإدارة والإمارة والحكم والخلافة. فبالمعنى الأول، الولاية هي الولاء لله؛ وبالمعنى الثاني، الولي هو الذي يتولَّى أمورًا، ويأخذ على عاتقه شريعة. مثلاً، الولي المحمدي لا يعطي شريعة، ولكن يأخذ على عاتقه الشريعة المحمدية، وهكذا دواليك.

ثم يبيِّن شودكيفِتش أن الأصل العربي "ولي" لا يمكن ترجمته بكلمة مناسبة في الديانات الأخرى، وبالتالي، في اللغات الأخرى، لأن شكل القداسة في كلِّ ديانة يباين شكلَها في الفكر الإسلامي – واللغة تدوين للفكر ليس إلا. فالقديس le Saint، مثلاً، من الأصل العربي قدَسَ، يعبِّر عن فكرة "الطهارة"، ولا يعطى معنى الولاية، وهكذا.

ومن حيث الوزن، تُقرأ "ولاية" بفتح الواو وبكسرها. الولاية بالكسر، على وزن فِعالة، وِلاية، بمعنى عمل الولي أي إمارته (وكل ما كان من جنس الصناعة فهو مكسور، كخِياطة وقِصارة)، وعلى وزن فَعالة بالفتح، وَلاية، وهي حال الولي، ولاؤه لله. ولكن كثيرًا من الكتابات الصوفية تتردد بين وَلاية بالفتح ووِلاية بالكسر؛ واللغة المحكية تجنح إلى الكسر، وِلاية. أما الكاتب فيتابع ابن عربي في تفضيل وَلاية (بالفتح)، لانسجامها مع اللغة القرآنية. وهكذا يتقرَّر لديه أن الولاية هي اسم مشترك بين مسمَّيين: بين مَن له حال الولاية، وبين من له وظيفة الولاية.

والولي كذلك هو اسم مشترك بين الله وبين الإنسان: فـ"الولي" هو أحد الأسماء الإلهية؛ وهو أيضًا اسم يُطلَق على الإنسان: "الله ولي المؤمنين" (آل عمران 68)، "الله ولي الذين آمنوا يُخرِجهم من الظلمات إلى النور" (البقرة 257)، "ألا إن أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون" (يونس 62). ويحصر اللغويون المسلمون أمر هذا الاشتراك بوجهين: "اسم مفعول"، يتبع مفهوم النسب والولاء، و"اسم فاعل" يتبع مفهوم الخلافة والإمارة.

هذا وينبِّه شودكيفِتش إلى أن كلَّ مفردات الولي والولاية ومعانيهما تنبع من القرآن وترجع إليه، وأنها تجد بيانها في أحاديث مشهورة، لعل أهمها: "من آذى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب. وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أفضل من أداء ما افترضتُ عليه. وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه. فإذا أحببتُه كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصره به، ويده التي يبطش بها" و"رُبَّ أشعث أغبر ذي طمرين، لو أقسم على الله لأبرَّه".

ولعل من المفيد هنا أن أعقِّب على هذا الاشتقاق الاسمي بأفضل ما سمعت في هذا الموضوع؛ وهو، على إيجازه الصوفي، يرضي اللغويين. سألت مرة سيدي الفضل بن العباس، أمير الأسرة الدندراوية: "من هو الولي؟" فقال: "اسمٌ يُطلَق على من تولاَّه الله، وعلى من ولاَّه الله."

الفصل الثاني: "من يراك يراني" (ص 41-64)

في هذا الفصل يرجع شودكيفِتش إلى بدايات ظهور الولاية كمفرد وكمفهوم في النصوص الصوفية، ويتتبَّع تاريخ هذه الفكرة وتطوُّرها عند المسلمين، وصولاً إلى ابن عربي: متى ظهر مفرد "ولي"؛ كيف تحدَّد معنى "الولاية" عند المؤيِّدين والمعارضين؛ ما حدود الإضافة التي شارك بها كلُّ مفكر أو باحث أو ولي في صورة الولاية. ويتأكد لديه أن مسمَّى "الولي" الذي يتشاطره الاشتراكُ المبيَّن في الفصل الأول أدى إلى شطر تاريخ الولاية بأكمله نصفين، كلُّ نصف قيَّد معنى الولاية بمفهوم وحصره فيه: فبعض الدارسين الإسلاميين – ومن بينهم أئمة – حصروا معنى الولاية في المسمَّى الأول: أي أن الولي هو المؤمن عامة، وكلُّ مؤمن ولي، ولم يرتضوا معنى "التولية" – وإن لم يحاربوا أو يناهضوا الكرامات وخرق العادة والعلوم الإلهامية؛ والبعض الثاني، وإن قبل معنى الولاية في المسمَّى الأول، إلا أنه اعتبر أن صفة الإيمان التي تعمُّ كلَّ المؤمنين لا ينطبق عليها التخصيصُ المراد بالولاية والمشار إليه في الأحاديث المشهورة من نحو "من آذى لي وليًّا..." و"ربَّ أشعث أغبر...". وهكذا يستعرض شودكيفِتش تاريخ فكرة الولاية، وقبلةُ أنظاره هذا الانقسام. وأنا أسمِّيها مجازًا: الولاية السلفية والولاية الصوفية.

يبدأ بابن تيمية، الذي يرى أن الأولياء هم المقرَّبون فقط، أي ينظر إلى الولاية بالمعنى الأول: فالولي عنده هو الذي تقدَّم في الصلاح، حتى أصبح من أوائل الصالحين. والقرآن يسمِّيهم بـ"السابقين"، الذين هم أعلى من أهل اليمين وأهل الشمال. والجرجاني في التعريفات يعرِّف الولاية بأنها "القرب من الله"، ويميِّز بين وَلاية (بالفتح) ووِلاية (بالكسر)، وأنهما يقابلان حال الولي ووظيفة الولي. أما ابن عجيبة (القرن الثامن عشر الميلادي)، فيجعل الولاية تقابِل "الأنس بالله". وكثيرًا ما كان ابن عربي يؤكِّد على قضية النصرة في الولاية، ويرى أن الولي والأولياء هم الذين تولاَّهم الله بنصرتهم، تولاَّهم في محاربتهم أعداءهم الأربعة: النفس، والهوى، والدنيا، والشيطان.

ولكن بعد هذه اللمحة السريعة مع ابن تيمية والجرجاني وابن عجيبة وابن عربي، يقف شودكيفِتش ليقول إن هذه النصوص كلَّها متأخرة. فماذا كانت البداية في بدايات الإسلام؟ كما حدث مع مفرد "صوفي"، إذ سبق وجود الصوفي وجود اسمه، كذلك في الولاية سبق وجودُ الولي وجودَ اسم الولاية. وبحسب الهجويري، يرجع وجود الولي والولاية في اللغة الصوفية إلى الحكيم الترمذي (القرن التاسع الميلادي) الذي توالت كتبُه حاملة اسمها: علم الأولياء، ختم الأولياء، سيرة الأولياء. فالترمذي يُعَدُّ أول صوفي بيَّن معالم الولاية وطرح مشاكلها ومسائلها. وهذا يفسر المكانة التي احتلَّتْها مؤلَّفاته في كتابات ابن عربي في الموضوع نفسه. ثم يتناول شودكيفِتش كتاب ختم الولاية، مشيرًا إلى أن الترمذي في هذا النصِّ كتب تجربته الروحية، على الرغم من تستُّره وراء حجب اللغة الموضوعية واللهجة اللاشخصية.

يفرِّق الترمذي بين طريقين للولاية: طريق الصدق والجهد والعبادة، وطريق المنَّة والوَهْب والعبودية؛ وهذان الطريقان، على تداخُلهما، يشيران إلى مرتبتين من مراتب الحياة الروحية، أي مرتبتين من مراتب الولاية: مرتبة "ولي حقِّ الله" ومرتبة "ولي الله حقًّا". الولاية الأولى يحصِّلها السالك بسيره في الطريق الأول، وهو ممارسة الصدق؛ فالصدق أول خطوة في الولاية، وهو يفرض الأداء الكامل لكلِّ الفروض الداخلية والخارجية المترتبة عن العهود الإلهية، صدق العهود مع الله، وباختصار، صدق العبادة. والولاية الثانية ينالها المؤمن بالوَهْب والمنَّة الإلهية؛ وتتصف بصدق العبودية.

إن عبارة "حقِّ الله" على المخلوقات توهِم بحقِّ المخلوقات على الخالق. لذلك فإن "ولي حقِّ الله" هو الذي تظهر ولايتُه في خدمته للحقوق الإلهية، وهي: أداء الفروض، حفظ الجوارح، الصبر على الشهوات، التوكل في الرزق. يعطي ليأخذ: يعطي صدق العبادة، فيمنُّ الله عليه ويعطيه طريقًا أعلى في الولاية، ويرقى إلى أن يكون "ولي الله حقًّا"؛ يجاهد المؤمن نفسه في عبادة الله، فتتوالى عليه أنوار العطاءات الربانية. فإن لم يقف عندها خلَّصَه الله – عزَّ وجلَّ – لعبوديته، وحرَّره من كلِّ شيء،أ ورقَّاه في درجات الولاية، وأنزله محلَّ قُربه. وهذا الولي، وإن كان لا يطلب المعاوضة بالخدمة، إلا أن عبوديته المطلقة هي مساحة أعماقه التي تحررت من كلِّ شيء وامتلأت بالحضور الإلهي. لذلك نجد أن أهمَّ صفات الولاية الصادقة عند الترمذي هي تنزُّل السكينة على الولي، أي الحضور الإلهي. فالولي الفارغ من كلِّ شيء، الممتلئ بالحضور الإلهي، ينعكس هذا الحضور من باطنه إلى ظاهره، ويصبح أحد المظاهر الخارجية التي يُعْرف الأولياءُ بها، وهي المُشار إليها في الحديث الشريف بأن الأولياء هم الذين تذكِّرنا رؤيتهم بالله (راجع: السيوطي، الفتح الكبير، 1: 214).

وينتقل شودكيفِتش إلى السؤال الذي يُطرَح في كلِّ نظرية روحية في الإسلام: ما هي العلاقة بين الولي وبين النبي أو الرسول؟ هذا الموضوع بالذات – وقد أشار إليه الترمذي في رسالة بدء الشأن – هو الذي أثار عليه ثورة الفقهاء. يرى الترمذي أن نبوَّة الأنبياء ورسالة الرسل لهما نهاية وحدٌّ في هذه الدنيا؛ وتتوافق نهايتهما مع نهاية العالم ورجوع مخلوقاته إلى خالقها في يوم الفصل العظيم. وعلى العكس من ذلك، تستمر صفة الولاية أبدية. وهذا ما يفسر أن "الولي" هو أحد الأسماء الإلهية. وهذا الكلام لا يعني أن الولي "أفضل" من النبي أو الرسول؛ ولكن صفة الولاية في شخص الرسول أو النبي نفسه تستمر أبدية، على حين أن فعل رسالته أو نبوَّته ينتهيان بانتهاء العالم.

وبعد أن عَرَضَ شودكيفِتش للولاية عند الحكيم الترمذي، يتساءل عن معنى "ختم الأولياء" الذي عَنْوَنَ به الترمذي كتابه. هنا – يقول شودكيفِتش – كان علينا أن ننتظر ابن عربي حتى نعرف ماهية الختم وهويَّته ونفهمهما. ذلك أن الإشارات التي تلامحت عند الترمذي، أمثال قوله إن ختم الأولياء هو "حجة الله على الأولياء" أو أنه "سيد الأولياء" و"حكيم الحكماء"، لا توضح شيئًا. ويبقى أن الحكيم الترمذي أوْرَدَ مجموعة أسئلة كانت تحديًا للمدَّعين، تحديًا لمن يتكلَّم كالأولياء وليس منهم. هذه الأسئلة المائة والسبعة والخمسون ظلت تنتظر دون جواب زمن ابن عربي الذي واجه التحدي وأجاب في الفتوحات عن الأسئلة جميعها (ف 2: 40-138). وأهم هذه الأسئلة: كم عدد منازل الأولياء؟ أين منازل أهل القُربة؟ من الذي يستحق خاتم الأولياء كما يستحق محمد (ص) خاتم النبوة؟ ما سبب الخاتم وما معناه؟ أين مقام الأنبياء من الأولياء؟ ما سكينة الأولياء؟ إلخ.

وكان من نتيجة طرح الترمذي للولاية وختمها وللعلاقة بين النبوة والرسالة والولاية بشخص الرسول أو النبي أن تناول كلُّ الباحثين بعده مفهوم الولاية بالحذر الشديد. وها هو الباقلاني (القرن العاشر الميلادي) الذي، وإن كان خصَّص كتابًا للبحث في الفرق بين معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، إلا أنه اكتفى بأن يقف من الولاية عند حدود التأكيد على إمكانية الكرامات والخوارق في مقابل المعتزلة، وعرَّف الأولياء بأنهم الصالحون فقط.

وإن التفتنا ناحية الصوفية، نكاد لا نجدهم يخصِّصون بحثًا يتناول صراحة الولاية والأولياء، بل يستترون بأسماء كـ"العارف" أو "الصوفي". وإن ظهرت أبحاثٌ في الولاية لا تلبث أن تختفي بسرعة، كما لاحظ الهجويري. وإذا قلَّبنا صفحات الكتب الكبرى في التصوف التي ألَّفها كُتَّاب يُعرَفون على أنهم أولياء لا نراها أكثر إفصاحًا. ويعرض شودكيفِتش أهمَّ هذه الكتب ومؤلِّفيها:

- أبو طالب المكي (ت 390 هـ)، في فصل من كتابه قوت القلوب، يتكلَّم على أهل المقامات من المقرَّبين، ويفرِّق بين ثلاثة أنواع من الأولياء: "أهل العلم بالله"، "أهل الحب"، "أهل الخوف".

- أبو نصر السرَّاج (ت 377 هـ)، في كتابه اللُّمع، وعلى الرغم من أنه يخصِّص فصلاً يحذِّر فيه القارئ ممَّن يضع الأولياء في مرتبة أعلى من الأنبياء، وفصلاً آخر لكرامات الأولياء، إلا أننا نحاول عبثًا أن نستشف عرضًا أكثر عمقًا لمفهوم الولاية.

- الكلاباذي (ت 385 هـ)، في كتابه التعرُّف، يُفرِد فصلاً للكرامات، ويدافع عن إمكانيتها وشرعيَّتها، ويرى أن ظهور الكرامة هو تأييد للنبوَّة. وعلى السؤال الذي طُرِحَ على الترمذي من أحد تلامذته: هل يعرف الولي أنه ولي؟ يجيب بالإيجاب. وهو يفرِّق بين نوعين من الولاية: الولاية في معناها العام، وتشمل كلَّ المؤمنين؛ وفي معناها الخاص الذي تأخذه في الاصطلاح الصوفي، هي عطاء مخصوص، من أُعْطِيَه كان محفوظًا من النظر إلى نفسه ومن آفات البشرية.

ويتابع شودكيفِتش، مع كتَّاب متأخرين نوعًا ما عن الذين ذكرهم: السُّلَمي (ت 412 هـ)، في مقدمة كتابه طبقات الصوفية، يرى أن الأولياء هم أتباع الأنبياء، يخلفونهم في سُنَنِهم. ولكننا لا نجد السُّلَمي، عند بحثه لشخصياته، يتابع هذه اللمحة، بل العكس؛ فإننا نكاد لا نجد هذه الشخصيات تخرج عن الأسئلة التقليدية: الكرامة، هل يعرف الولي أنه ولي، إلخ.

وبعد طبقات السُلَمي، يأخذ شودكيفِتش كتاب حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني (ت 430 هـ)، ويرى أنه يتركنا على جوعنا، وعطشى لا نرتوي، على الرغم من عنوانه وأجزائه التي تبلغ العشرة، وتضم أكثر من ستمائة وتسع وثمانين ترجمة. ولكننا نستطيع، من خلال إشاراته، قليلاً قليلاً، أن نرسم صورة للولي، وأن نقارب نمطية الأولياء. ولكن جوهر الولاية ينفلت من كلِّ تعريف؛ وحصيلة ما يبقى لدينا بعد قراءة الحلية ينتظم تحت مقولات: الأولياء يذكِّرون بالله، الأولياء محفوظون من الفتنة، الأولياء فقراء، زُهَّاد، قوم خالط القرآن لحومهم ودماءهم، بحسب قول ذي النون المصري. ثم إن الولاية ليست استعراضية، بل العكس؛ فإن الولي يتحاشى الظهور.

وبعد الحلية يأخذ شودكيفِتش رسالة القشيري (ت 465 هـ)، حيث تستغرق الولاية فصلاً كاملاً: "باب الولاية". ولكن نجد أننا نقف أمام نفس السدود، نفس الحذر. ويشير القشيري إلى أن اسم "ولي" له معنيان: أحدهما سلبي، فعيل بمعنى مفعول، وهو من يتولَّى الله – سبحانه – أمرَه (قال الله تعالى: "وهو يتولَّى الصالحين")، فلا يَكِلْه إلى نفسه لحظة، بل يتولَّى الحقُّ – سبحانه – رعايتَه؛ والمعنى الثاني إيجابي، فعيل مبالغة من الفاعل، وهو الذي يتولَّى عبادة الله تعالى وطاعته؛ فعبادته تجري على التوالي من غير أن يتخلَّلها عصيان. وكلا الوصفين واجب حتى يكون الولي وليًّا. ومن شرط الولاية أن يكون الولي محفوظًا، كما أنه من شرط النبي أن يكون معصومًا. ويتابع القشيري مع الحوار الصوفي حول معرفة الولي بأنه ولي. ويعقِّب القشيري على معنى الولاية بأقوال، أهمها ما ينقله عن السُّلَمي: "نهايات الأولياء بدايات الأنبياء"، وقول أبي على الجوزجاني: "الولي هو الفاني في حاله". ويخلص القشيري إلى القول بأن الولي هو "ابن وقته"، ليس له مستقبل فيخاف شيئًا؛ وكما لا خوف له فلا رجاء له، لأن الرجاء انتظار؛ وكذلك لا حزن له. ثم يُفرِد القشيري بابًا خاصًّا للكلام على كرامات الأولياء، دون أن يقدِّم جديدًا يُذكَر.

أما إذا اتجهنا إلى تفسير القشيري للقرآن لطائف الإشارات، فنرى أن القشيري يفرق بين "معصوم" و"محفوظ": عصمة النبي تكمن في أنه لا يجد في نفسه الرغبة في معصية؛ أما الولي فإنه ليس في ملجأ من الإغراء، ويمكن أن يضعف أحيانًا أمام الغواية، ولكن المنَّة الإلهية تحفظه من الإصرار على الخطأ.

وبعد القشيري، يرى شودكيفِتش أن عبد الله الأنصاري (ت 481 هـ) لم يقدِّم جديدًا في كتبه المعروفة لدينا؛ والأمر كذلك بالنسبة للغزالي (ت 505 هـ) الذي انتقد في الإحياء من ينكر كرامات الأولياء. وهكذا يظل معنى الولاية مستورًا خلف صورها ومظاهرها وعلاماتها. وهذا ما سنجده أيضًا عند نجم الدين كُبرى (ت 617 هـ) في كتابه فوائح الجمال: من علامات الولي أن يكون محفوظًا، مقبول الدعوة من الله – عزَّ وجلَّ، وأن يعرف اسم الله الأعظم وأسماء الجنِّ والملائكة، إلخ. والولاية عند كُبرى هي الدرجة الثالثة والأخيرة من الحياة الروحية؛ إذ تتوالى عنده الثلاثيات المرتبة تدريجيًّا:

العبودة


العبودية


العبادة

عين اليقين

(فناء العارف في المعروف)


حق اليقين

(حال مستمرة)


علم اليقين

(مكتسب)

التكوين


التمكين


التلوين

والتكوين يعطى لِمَن فنيت إرادتُه الذاتية فناءً كاملاً في الإرادة الإلهية. ويرى كُبرى أن مسلك السالك لا يصل إلى الولاية إلا عندما يُعطى "كن"، وهي كلمة التكوين.

ويرى شودكيفِتش أنه، وإن كان كُبرى لا يعطينا المنطق العقلي لكلِّ المقولات التي يطرحها في الولاية، إلا أننا تقدَّمنا معه قليلاً في معرفة الولاية. وكان يمكن أن تكون المعرفة أكبر لو أراد أن يفصح؛ إذ إن المشاهدات التي يرويها في كتبه تكشف عن علمه الوافي بهذا الموضوع.

وهكذا تظل الولاية إشكالية وسؤالاً يُطرَح على كلِّ عالم أو ولي يظهر ويلمع أمام العامة أو الخاصة؛ ولكن جاءت إجاباتهم غامضة، مبهمة المعاني، لم يفك خزائن رموزها إلا نصوص ابن عربي. ومن أبرز وجوه تلك الفترة عبد القادر الجيلاني، المتوفى في بغداد في العام 561 هـ، وهو نفس الوقت الذي ولد فيه ابن عربي في الأندلس. ويكتفي الجيلاني بالقول بأن الولاية هي "ظل النبوة".

ويُنهي شودكيفِتش هذا الفصل بالكلام على نظرية الولاية عند معلِّم روحي كبير، هو روزبهان بقلي، المتوفى في العام 606 هـ، أي بعد وصول ابن عربي إلى المشرق. وروزبهان، في كتابه مشرب الأرواح، المستوحى من كتاب الأنصاري منازل السائرين، يُفرِدُ فصلاً عن الولاية، يرى فيه أن أول الطريق إرادة، وهي مصحوبة بالمجاهدات، ووسط الطريق محبة، وهي مصحوبة بالكرامات، وآخر الطريق معرفة، وهي مصحوبة بالمشاهدات. وعندما يكون المرء متمكِّنًا من هذه الدرجات الثلاث، لا يجري عليه تلوين، ويسبح في بحار التوحيد وأسرار التفريد. عندها يكون وليًّا، نائب الأنبياء، صادقًا بين الطاهرين. ويورد شودكيفِتش من كتاب روزبهان كشف الأسرار بعض المقاطع التي تروي تجربة الولاية عنده، مقاطع يخاطب فيها الحقُّ روزبهان، نصوص تروي توليته واختياره للولاية وللمحبة. ويروي روزبهان أنه كان ذات مرة يجلس ليلاً قرب ابنه أحمد الذي يشكو حمَّى، وقلبه يكاد يذوب قلقًا؛ ثم فجأة شهد الجمال الإلهي، فقال له: "ربِّي، لم لا تكلِّمني كما كلَّمت موسى؟" فأجابه: "ألا يكفيك أن مَن يحبك فقد أحبني، وأن مَن يراك يراني؟"

وهكذا، في هذا الفصل، رَدَمَ شودكيفِتش المسافة بين بداية الكلام على الولاية مع الترمذي وبين نهايته، وختمه مع ابن عربي. قرون ثلاثة في الأبحاث الموضوعية والمشاهدات الذاتية؛ وكلُّها يدور حول الولاية. وقد تناولها شودكيفِتش بالدراسة والتحليل، محاولاً الوصول إلى تعريف للولاية، لحدودها وبنيتها، قبل ابن عربي، ولكن دون جدوى. لذلك يرى أن مفهوم الولاية كان عليه أن ينتظر ابن عربي حتى يتحدَّد.

الفصل الثالث: "دائرة الولاية" (ص 65-78)

في هذا الفصل سوف يحدِّد شودكيفِتش تدريجيًّا طبيعة الولاية عند ابن عربي ودورها وأشكالها. ويبدأ بأن يلفت النظر إلى أن مذهب ابن عربي في الولاية مضمَّن تحت أسماء كثيرة – إلى جانب اسم الولي – أهمها: "العارف"، "المحقِّق"، "الملامي"، "الوريث"، "الصوفي"، "العبد"، "الرجل". لذلك سوف يستفيد، أولاً، من نصوص الولاية والأولياء، ويُكمِل صورته من النصوص التي وردت تحت أسماء أخرى. وأهم نصٍّ في الولاية هو كتاب فصوص الحكم الذي يتألف من مقدمة وسبعة وعشرين فصلاً، كلُّ فصل فيها مخصَّص لنبي من الأنبياء: الأول هو آدم، والآخر هو محمد (ص). ويلحظ شودكيفِتش أن ترتيب الفصول المتعلقة بالأنبياء لا يتبع التوالي التاريخي: فالفصل المخصَّص لعيسى يسبق المخصَّص لسليمان الذي، بدوره، يسبق الفصل المخصَّص لداود (عليهم السلام). ويلحظ أيضًا أن شخصيتين من هذه الشخصيات السبع والعشرين – وهما شيث وخالد بن سنان – لم ترِدا في القرآن؛ على حين أن نبيين مذكورين في القرآن – هما ذو الكفل وأليسع – غائبان عن كتاب ابن عربي. ويلحظ أيضًا أن لقمان، الذي يعطي اسمه لأحد فصول الفصوص، هو في الواقع – قرآنيًّا – حكيم أكثر منه نبي.

ويفيدنا كتاب فصوص الحكم أيضًا في استخلاص بنية الولاية الصوفية ومعرفة تنوع شخصيات الأولياء، وذلك من خلال الأنماط الروحية التي يُبرِزُها كلُّ فصٍّ من الفصوص. ففي كلٍّ فصٍّ من الفصوص نجد نمطًا روحيًّا يتحدَّد بالتقاء وجه من وجوه الحكمة الإلهية مع القابل الإنساني الذي يحويها ويفرض عليها، بالتالي، شروطه الإنسانية. كلُّ نمط روحي هو التقاء المطلق الإلهي، أي الحكمة الإلهية، بالمقيَّد الإنساني، أي بالكلمة.

ثم ينتقل شودكيفِتش إلى بيان الظروف التي دفعت ابن عربي إلى نشر فصوص الحكم. فابن عربي، مع أنه ليس برسول ولا بنبي، إلا أنه "وارث" يكتب إملاء إلهيًّا.

وفي الفصل المتعلق بعُزَير، يعطي ابن عربي نصوصًا وإشارات هامة إلى علاقة النبوة بالولاية، يقول:

اعلم أن الولاية هي الفلك المحيط العام؛ ولهذا لم تنقطع. أما نبوة التشريع والرسالة فمنقطعة. وفي محمد (ص) قد انقطعت؛ فلا نبي بعده: يعني مشترعًا أو مشرِّعًا له، ولا رسول، وهو المشرِّع. وهذا الحديث قَصَمَ ظهور أولياء الله لأنه يتضمَّن انقطاع ذوق العبودية الكاملة التامة.

وهكذا، بعد انقطاع النبوة، امتنعت العبودية الكاملة التامة على الأولياء، وبقي لهم أن يقتسموا إرث العلوم والأفعال والأحوال. وهكذا فإن العلماء المشار إليهم في الحديث: "العلماء ورثة الأنبياء" ينطبق بالأصالة على الأولياء: فالأولياء هم ورثة الأنبياء.

ثم يقارب ابن عربي موضوعًا طرحه الترمذي قبله، ويتلخَّص بأن ولاية النبي أو الرسول أعلى من نبوَّته أو رسالته. يقول ابن عربي:

فإذا رأيت النبي يتكلَّم خارج عن التشريع فمن حيث هو وليٌّ عارف؛ ولهذا مقامه من حيث هو عالم أتم من حيث هو رسول أو ذو تشريع وشرع. فإذا سمعت أحدًا من أهل الله يقول أو يُنقَل إليك عنه أنه قال: "الولاية أعلى من النبوة"، فليس يريد ذلك القائل إلا ما ذكرناه، لا أن الولي التابع له [أي النبي] أعلى منه. فإن التابع لا يدرك المتبوع أبدًا فيما هو تابع له فيه. فرجع الرسول والنبي المشرِّع إلى الولاية والعلم. (فصوص 1: 134-135)

ينتج مما تقدَّم عدة نتائج، يرى شودكيفِتش أنه من الصعب التوفيق بينها ظاهريًّا، ويتركها دون تعليق. فمن جهة، تظهر الولاية شاملةً للنبوَّة وللرسالة، وهي أعلى في الشخص الذي يجمع هذه الصفات الثلاث؛ ومن جهة ثانية، نرى الأولياء تابعين للأنبياء، وارثين لهم، وبالتالي، فالنبوة أعلى من الولاية. وإن لم نستطع أن نوفِّق بين النتائج المتقدمة، إلا أنه تقرَّر الآن أن الولاية هي الإرث النبوي، أو أن الولي هو الوارث لنبي، مع ملاحظة أنه لا ينال أحد كمال الإرث، وإلا لأصبح نبيًّا. فالنبوة والولاية تشتركان في ثلاثة أشياء: العلم، والفعل بالهمة، ورؤية عالم الخيال بالحس؛ وتختلفان في الخطاب الإلهي. ولعله من أهم نصوص ابن عربي في هذا المجال هو عشرة فصول متتابعة من الفتوحات (152-162)، حيث يرسم دوائر الولاية والنبوة والرسالة، ويبيِّن العلاقة فيما بينها، ويُنهي هذا المبحث بفصل عن "مقام القُربة" الذي يمثل كمال الولاية وأعلى مراتبها.

وهكذا تتحدد طبيعة الولاية عند ابن عربي على أنها "قُربة"؛ ويتحدد شكلها بفعل الوراثة الموجود بين الولي الوارث والنبي الموروث. ولكن كلَّ وليٍّ وارثٍ لنبي فإنه لا يرثه مباشرة، وإنما من حيث الحقيقة المحمدية. لذلك كلُّ ولي هو ولي محمدي في شكل من الأشكال. وهذا ما دفع شودكيفِتش إلى التوقف عند "الحقيقة المحمدية" ومكانتها الوجودية في الفصل التالي.

الفصل الرابع: "الحقيقة المحمدية" (ص 79-94)

كلُّ وارث من نبي من الأنبياء هو دائمًا وارث من محمد (ص). ويقول ابن عربي في الفتوحات إن

كل الأنبياء الذين تقدموا في الزمان على محمد (ص) هم نوَّابه في عالم الخلق، وهو لا يزال روحًا مجردًا ونورًا مسوَّى. قيل له: "متى كنتَ نبيًّا؟" فقال: "كنت نبيًّا وآدم بين الماء والطين." إلى أن وصل زمانُ ظهور جسده المطهَّر (ص)، فلم يبقَ حكمٌ لنائب من نوابه.

يقول شودكيفِتش إن نصَّ ابن عربي هذا، مع كثير غيره، يحدِّد طبيعة الحقيقة المحمدية ودورها. وعلى الرغم من أن الحديث الوارد في النصِّ قد تعرَّض لكثير من الهجوم واتُّهِمَ بالبدعة، إلا أن جمهور المحدِّثين انقسموا فيه بين مؤيِّدين ومعارضين. وابن عربي نفسه – وهو دارس للحديث – يقول في عدة مناسبات أن "الكشف" وحده فقط هو القادر على القطع بصحة الحديث.

ثم يبيِّن شودكيفِتش أن عبارة "الحقيقة المحمدية" تجد جذورها القرآنية في عبارة النور المحمدي، المستوحاة من قوله تعالى: "سراجًا منيرًا" (33: 46). وإن فكرة "النور المحمدي" لها أصول في كتب السيرة، نجدها فيما يُروى عن النور الذي كان بين عيني والده عبد الله، ورأتْه سيدةٌ عشية زواجه بآمنة، وفارقه عندما رأتْه ثانية صبيحة اليوم التالي. إنه نور النبوَّة المنتقل في الأصلاب والأرحام.

ويشير شودكيفِتش إلى الصوفيين الذين أكدوا أسبقية النور المحمدي في الظهور على كافة المخلوقات، كجعفر الصادق وسهل التستري والحكيم الترمذي والحلاج، وإلى ارتباط الحقيقة المحمدية بعبارة مفهوم الإنسان الكامل، الذي هو هدف كلِّ حياة روحية وغاية كلِّ تعريف للولاية. وينتج عن كلِّ ما يورده شودكيفِتش أن ولاية الولي ليست إلا انتسابه إلى ولاية النبي.

وهذه الوراثة عن محمد (ص) يمكن أن تكون مباشرة أو غير مباشرة، كما رأينا. والورثة المحمديون بالطريق المباشر تظهر عليهم صفاتٌ تميِّزهم عن غيرهم من الأولياء، أي عن الأولياء الذين لا ينتسبون للوراثة من النبي إلا بواسطة غيره من الأنبياء. فالوارث غير المحمدي يرى الناسُ ولايتَه بما يظهر على ظاهره من علاماتها، كالكرامات والخوارق. وعلى العكس، فإن الوارث المحمدي يجهله الناس، ولا يعرفه إلا النخبة، لأن خوارق الطبيعة لا تظهر على ظاهره، وإنما تتنزَّل في قلبه على هيئة علوم وأحوال روحية. وهذا التمييز بين ورثة النبي بالطريق غير المباشر وورثته بالطريق المباشر تفيدنا في تحديد صور الأولياء وملامح شخصياتهم.

الفصل الخامس: "ورثة الأنبياء" (ص 95-110)

ينطلق ابن عربي من أن محمدًا (ص) يحوي كلِّية الصور النبوية، ويحوي شخصه، بالتالي، كلَّ المزايا الخصوصية التي لكلِّ واحد من الأنبياء. ففي شخص النبي (ص) تجتمع صفاتُ الأنبياء كافة، وفي طاقته ما تحلُّوا به جميعًا من علوم وتصريف. والولي، الذي هو الوريث الروحي لنبيٍّ من الأنبياء، يرث من الحقيقة المحمدية الوجه الخاص بالنبي الموروث. فمن الأولياء من يرث وجه عيسى من الحقيقة المحمدية، فيُطلَق عليه اسم "عيسوي"، ومنهم من يرث وجه موسى من الحقيقة المحمدية، ويطلق عليه اسم "موسوي"، وهذا "إبراهيمي"، وذاك "هودي"، وغيرهم.

وابن عربي نفسه يروي أن أستاذه أبا العباس العريبي أصبح عيسويًّا في آخر حياته، وأنه هو نفسه – ابن عربي – على العكس، كان عيسويًّا في بداياته، ثم أضحى موسويًّا، ثم أمسى هوديًّا، ثم ورث على التوالي من كلِّ الأنبياء، وفي آخر مقام من محمد (ص) بنفسه.

وهكذا يتكون من مزايا كلِّ نبي ومعجزاته نمطُ شخصيته، تظهر صورتُها على الولي الوارث. فالولي العيسوي، مثلاً، تأتي كراماتُه على صورة معجزات عيسى (ع)، فتراه يمشي على الماء، ويشفي المريض، ويُبرئ الأعمى. ويشير شودكيفِتش إلى شخصيات معروفة في الوسط الصوفي، ويؤكد أنها كانت عيسوية الولاية، كالحلاج وعين القضاة الحمداني، مريد أحمد الغزالي، وعبد الله أحرار والشيخ العلوي، كما يشير إلى أن أحمد البدوي موسوي. هذا وفي استطاعة العارف، إن تمرَّس في أحوال الولي، أن يكتشف الطابع النبوي الذي يطبع ظاهره. ولا تتعدد الأنماط الروحية للولاية الموروثة عن النبوة إلى ما لانهاية، بل يحصر ابن عربي صورها الرئيسة في كتاب فصوص الحكم بفصوله السبعة والعشرين.

وهكذا اختُتمت النبوة، واكتملت التشريعات، ولم يبقَ إلا الوراثة عن الأنبياء. يقطع السالك طريق الجهد، عسى يولِّيه الله – عزَّ وجلَّ – ويورثه علمًا نبويًّا، فيرث عن نبي أو عن أكثر من نبي.

الفصل السادس: "الأوتاد الأربعة" (ص 111-127)

بعد أن درس شودكيفِتش في الفصول السابقة طبيعة الولاية وهوية الولي وأنماط شخصيات الأولياء، ينتقل هنا من الطرح النمطي للولاية إلى الطرح الجغرافي، حيث يحتل كلُّ ولي مركزًا جغرافيًّا من الأرض، بحسب مرتبته من الولاية: لكلِّ وليٍّ منزل، مركز جغرافي يحتله، ومنه يباشر وظيفته وولايته. ويبدأ شودكيفِتش بتلمُّس منازل الأولياء في النصوص السابقة لابن عربي، ويجد حديثًا شريفًا عند السيوطي، عن أبي هريرة، يشير إلى سبعة يحفظ الله بهم سكان الأرض. وفي الأدب الصوفي كذلك تتلامح إشارات إلى "ديوان الأولياء"، إشارات لا تزال تنمو إلى يومنا هذا، وتغلب عليها صفة السَّتْر؛ فالولي هنا هو مستور، لا تظهر مكانتُه للناس.

ويروي خادم الشيخ عبد القادر الجيلاني قصة طويلة، يخرج فيها الشيخ عبد القادر من المدرسة في بغداد إلى نهاوند، ويصل دون مسافة تُذكَر، ليحضر وفاة أحمد الأبدال السبعة. وهكذا يتابع شودكيفِتش إشارات، تظهر وتختفي سريعًا، عن أولياء مستورين لهم مهام كونية عالية، ويشغلون منازلهم الجغرافية، كلُّ ولي يحتل منزلة بحسب رتبته.

وكما في تحديد مفهوم الولاية وطبيعتها، كان علينا أن ننتظر في التاريخ الصوفي ظهور ابن عربي، كذلك هنا، لتحديد منازل الأولياء، ومواقعهم في الأرض. وبعد ابن عربي يصبح لكلِّ الإشارات السابقة في التاريخ الصوفي معنى، وتأخذ موقعها من نظرية الولاية ككل. وابن عربي لا يفصل هذه المنازل نظريًّا، ململمًا النصوص الشرعية أو المرويَّات الشعبية، ولكنه يصف هذه المنازل ويصف نازليها وصف الرائي لها، العارف بها، المشاهد لأهلها. ففي العام 593 هـ، مثلاً، التقى "قطب الوقت" في فاس. والإشارة إلى هذا اللقاء تكثر في كتبه، مما يؤيِّد أن كلام ابن عربي في الولاية ليس نظرية، بل يقين عياني، يرتكز على رؤية مباشرة وتجربة حميمة.

وفيما يتعلق بموضوع مراكز الأولياء الذين يمثلون قوى "الكون الفاعل"، لعل النصَّ الأكمل هو ما نجده في بداية الجزء الثاني من الفتوحات؛ وهذا النص هو ما سيتخذه شودكيفِتش دليله في طريق تحديد عالم الأولياء. يبدأ ابن عربي الفصل بتحديد أفضلية مقام الرسول على النوع الإنساني عامة. ثم يمثل الدين بالبيت القائم بقيام أركانه الأربعة؛ وأركان البيت الأربعة هي: "الرسالة" و"النبوة" و"الولاية" و"الإيمان". والرسالة هي الركن الجامع؛ وتحوي الأركان الثلاثة الأخرى. لذلك لا يخلو العالِم من رسول حي بجسمه يكون قطب العالم الإنساني.

يقول ابن عربي بأنه بعد وفاة محمد (ص) أبقى الله – عزَّ وجلَّ – من الرسل أحياء بأجسادهم في هذه الدار الدنيا ثلاثة وهم: إدريس والياس وعيسى (عليهم السلام). إدريس (ع) بقي حيًّا بجسده، وأسكنه الله السماء الرابعة؛ والسموات السبع هنَّ من الدار الدنيا، تبقى ببقائها وتفنى صورتُها بفنائها، لأن الدار الأخرى تُبدَّل فيها السموات والأرض. أما الياس وعيسى (عليهما السلام) فقد بقيا في الأرض. وهذه الشخصيات الثلاث مُجْمَع على رسالتهم. أما الخضر (ع) – وهو الرابع – فهو "من المختلَف فيه"، كما يقول ابن عربي،

عند غيرنا لا عندنا. فهؤلاء الرسل الأربعة باقون بأجسامهم في الدار الدنيا. فكلُّهم الأوتاد، واثنان منهم الإمامان، وواحد منهم القطب، الذي هو موضع نظر الحقِّ من العالم. إذن واحد من هؤلاء الأربعة، الذين هم إدريس وعيسى والياس والخضر، هو القطب، وهو أحد أركان بيت الدين، وهو ركن الحجر الأسود؛ واثنان منهم هما الإمامان، وأربعتهم هم الأوتاد. فبالواحد يحفظ الله الإيمان، وبالثاني يحفظ الله الولاية، وبالثالث يحفظ الله النبوة، وبالرابع يحفظ الله الرسالة، وبالمجموع يحفظ الله الدين الحنيف. ولكلِّ واحد من هؤلاء الأربعة من هذه الأمة في كلِّ زمان شخص ولي على قلبه مع وجوده، هو نائبه.

ويعقِّب شودكيفِتش بقوله إن كانت هذه الشخصيات الأربع التي ذكرها ابن عربي – اثنتان منها، أي إدريس وعيسى، في السموات، واثنتان، هما الياس والخضر، في الأرض – تعيش مستورة عن أعين العامة، إلا أنه – للمرة الأولى – يُشار إلى الوظائف العليا لهذه الشخصيات. وهكذا يُعلِمنا ابن عربي بوجود الأنبياء الأحياء بأجسامهم في الدنيا، وأنه بهم يحفظ الله أركان بيت الدين الحنيف. ثم أعلمنا كذلك بوجود نوَّاب من الأولياء لهؤلاء الأنبياء. ذلك كلُّه يؤكد علاقة النبوة بالولاية، وأن دائرة الولاية ليست مستقلة، ولكنها تابعة إلى آخر الزمان لسلطة الأنبياء الأحياء بعد موت محمد (ص).

ثم يتابع شودكيفِ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمرالحسني



عدد المساهمات : 37
تاريخ التسجيل : 27/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: نظرات في أذواق ابن عربي النورانية   الثلاثاء سبتمبر 28, 2010 9:25 am

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ،
أما بعد
- مقدمة:
اعتاد القارئ عند دراسته لكتب القوم ، أن يجد مصطلحات يتواصل بها أهل الله فيما بينهم ، يسميها بعضهم بلغة القلب ، وهي لغة غير اللغة التي نعرف ونفهم ، وهي تعبر أحيانا بايماء أو بغموض احيانا ما يختلج صدر السالك الى الله من المشاعر و الواردات و دقائق الفهوم.
مصطلحات تختلف عما نجده في الفقه و السيرة وعلم الحديث و التفسير وعلوم القرآن .
أثارث هذه المصطلحات حفيظة الكثير من العلماء لعدم ورودها في كتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه
وسلم ومن ثم كان مصيرها الأنكار.
من هذه المصطلحات : الغوث ، الختم وختم الأولياء ، وديوان الصالحين ، الوجد و التواجد ، التخلية التحلية ، الكشف المشاهدة ، التصرف في الكون أو أهل التصرف ، وغيرها كثير.ناهيك عن بعض المصطلحات و ردت في القرآن كالقبض و البسط والفناء و البقاء بغير المعنى التي نجدها عند القوم.
يقول القشيري في مقدمته:
*.....أعلم ان كل طائفة من العلماء ألفاظا ستعملونها ، وقد انفردوا بها عما سواهم ، كما تواطأوا عليها لأغراض لهم فيها ، من تقريب الفهم على المتخاطبين بها أو للوقوف على معانيها بأطلاقها ، وهو يستعملون ألفاظا فيما بينهم ن قصدوا بها الكشف على معانيهم لأنفسهم و الستر على من باينهم في طريقتهم ، لتكون معاني ألفاظهم مستبهمة على الأجانب ، غيرة منهم على أسرارهم أن تشيع في غير أهلها ، أذ ليست حقائقهم مجموعة بنوع من التكلف ، أو مجلوبة بضرب من التصرف ، بل هي معان أودعها الله تعالى في قلوب قوم ، و استخلص لحقائقها أسرار قوم.* ص 53 ، الرسالة القشيرية.
غير أن هذه المصطلحات في وقت لاحق شكلت عائقا معرفيا في فهم القوم ، فحملها أدعياء الطريق معان غير محملها ، وصارت فيما بعد حاجزا لمعرفة أهل الله ، فكانت وبالا على هذا العلم المنيف الشريف.
يرى أبو العلا عفيفي تلميذ المستشرق بروكلمان ، أن مصطلحات القوم هي مزيج من التأويلات لمختلف المذاهب و الأفكار الفلسفية التي احتك بها العقل المسلم فيما مضى ، من باطنية وهيلينية ومانوية و غنوصية وحتى الفلسفة اليونانة كأرسطو وأفلاطون وغيره ، وهو أمر بالغ فيه بل اعتبر بعض نقاد هذه الفكرة أن كتب ابن عربي قدس الله سره دس فيها هؤلاء هذه الأفكار و خصوصا الباطنية.
لا يمكن بحال من الأحوال ، أن نفرق بين علم الظاهر وعلم الباطن ، والحقيقة و الشريعة ، والشرعة و المنهاج و الطريقة ، وقد أكد أهل الله في كتبهم على أن لا شريعة بدون حقيقة و لا حقيقة بدون شريعة ، وما ذهب اليه ابن رشد و اخوان الصفا و غيرهم من المعتزلة مجرد جدال تلوكه الألسن لا علاقة له مع التصوف أو أن شأت علم التزكية.
1.في منازل الأولياء :
ذكر الحكيم الترمذي في المسائل الروحانية عدة اسئلة منها :
- فيقال لهذا المسكين المتحير :* - صف لنا منازل الأولياء ، أذا استفرغوا مجهود الصدق ، كم عدد منازلهم ؟
- وأين منازل القربة ؟
-وأين الذين جاوزوا العساكر ، وبأي شيء جازوا؟
- والى أين منتهاهم؟
-وأين مقام أهل المجالس و الحديث؟
- وكم عددهم ؟
-وبأي شيء استوجبوا على ربهم ؟
-وما حديثهم ونجواهم؟
- وبأي شيء يفتتحون المناجاة؟
- وبأي شيء يختمونها ؟
وبماذا يجابون ؟
وكيف يكون صفة سيرهم ؟
ومن الذي يستحق خاتم الأولياء كما أستحق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبوة ؟
وبأي صفة يكون ذلك المستحق لذلك ؟
-وما سبب الخاتم وما معناه؟....* .
كتاب ختم الأولياء للشيخ أبي عبد الله محمد بن علي بن الحسين الحكيم الترمذي.ص 142.الى 163.
تشرأب أعناق الخواص من المرشدين الكمل الى هذا المقام العالي بالله ، وقد اجمع جل أهل الله أن الشيخ الأكبر ابن عربي قدس الله سره أنه ختم الأمة الأول الذي عرفته ، غير أن هذا المقام لم يرد في الكتاب و لا السنة و لا حتى على لسان الصحابة رضي الله عنه و السلف لذلك اعتبره الأمام الأغر ابن تيمية أنه مقام متوهم كما سنرى فيما بعد.
للختم ميقات مع الله كما لكل عبد من عبيد الله ميعاد في ميلاد القلب ، وفي عرفانه يشهد هذا العبد المعرفة التامة بربه ، كما كانت مثمثلة في الحبيب صلى الله عليه وسلم وراثة كاملة ، نعمة كاملة مستحقة بأعتبار هذا العبد محل نظر الله من خلقه ، مجتبى موقفا معصوما بالتوفيق من الزلل.
هذه العصمة تتجلى في الأذن الرباني في التربية و التسليك منوطة بالتوفيق و التوجيه المصطفوي في كل حين ، فالختم متوجه الى الحضرة الألهية بواسطة الموسوط ، ولاغنى له عن الواسطة ، لما فيها من العون و المدد في حمل أثقال الخلق.
لكن هذه العصمة ليست كعصمة الأنبياء عليهم السلام بل هي دون مرتبتهم ، وأن شئت قلت الرجل الرباني الذي لا تنفك أرادته عن أرادة مولاه ، ولا عن الحبيب صلى الله عليه وسلم الذي يتولاه ، فهو به وفيه ومعه وأليه ، لاتسبق كينونته في النسبة الى غيره، فهو درة مصونه ومنارة فيحاء وقرة العين ومحل النظر ونور الفيض.
وهناك الختم المحمدي ، ولا يتجدد هذا المقام ألا مرتين بحسب أهل الله و الله أعلم ، والختم الموسوي و الختم العيسوي وهما يتجددان في كل مئة سنة في الأمة.
من الأولياء أن الختم معنى يطلق على كل عمل وامر ومراد وشان يتمه الله في كل يوم ، ومنهم من يطلقه على الأمور التي يبث فيها الأولياء في أجتماعهم الروحاني الغيبي بديوان الصالحين في الثلث الأخير من الليل. ومنهم من يرى أن الختم عبد من عبيد الله بيده علم البدء و الأسماء وغيره من العلوم .
ومنهم من يرى هو الرجل الولي الذي يختم به الله كل رأس مئة سنة رسالته التجديد ووظيفته التهييء للخلافة الموعودة خلافة الخير و العدل و البركة في آخر الزمان.
نسال الله أن يرحمنا آمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمرالحسني



عدد المساهمات : 37
تاريخ التسجيل : 27/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: نظرات في أذواق ابن عربي النورانية   الثلاثاء سبتمبر 28, 2010 9:26 am

كان القاضي الفقيه ابن حجر الحيتمي، الذي عاش في القرن السادس عشر، على كونه من المدافعين الأشداء عن ابن عربي، يقرُّ ببعض ما يأخذه منتقدوه عليه: فكتاباته، على حدِّ قوله، "لدقة معانيها، ولطائف إشاراتها، وإبهام مبناها"، هي للعوام "سمٌّ ناقع". إذ إن الاهتمام المشروع بالذود عن إيمان الجهَّال يقود بعض فقهاء الشريعة إلى أن تأخذهم العزَّة بالإثم، على ما يخلص إليه، لكنه يبقى من الصحيح أن ابن عربي ليس ممَّن يصح أن تتداوله سائرُ الأيدي.

وعلى كلِّ حال، أكدتْ شهاداتٌ أحدث أن مؤلَّفات الشيخ الأكبر لا تبوح بأسرارها بسهولة. فقبل الحرب العالمية الأخيرة ببضع سنين، اقترح نيكلسون على أحد طلاَّبه المصريين قراءة مؤلَّفات ابن عربي. وقد اعترف هذا الطالب – وهو أبو العلا عفيفي، الذي ندين له، في جملة كتب أخرى، بكتاب فلسفة محيي الدين بن عربي الصوفي – لاحقًا أنه، بعد عدة قراءات للـفصوص ولشرح القاشاني عليه، لم يفتح الله عليه بشيء! وقد كتب يقول: "فالكتاب عربي مبين، وكلُّ لفظ فيه، إذا أخذته بمفرده، مفهوم المعنى، ولكن المعنى الإجمالي لكلِّ جملة، أو لكثير من الجمل، ألغاز وأحاجٍ لا تزداد مع الشرح إلا تعقيدًا وإمعانًا في الغموض. ذهبت إلى الأستاذ [نيكلسون] أشكوه حالي، وأذكِّره بأن هذه أول مرة استعصى فيها عليَّ فهمُ كتاب باللغة العربية إلى هذا الحد." ولم تكن حيرة المستشرقين المهتمين بالشيخ الأكبر لَتقلُّ عن ذلك: فكليمان هُوار لا يخفي حرجه من أثر "تهويمات مخيِّلته الفوضوية". وكان آربري يرثي لـ"تشويش عالم ابن عربي الذهني" و "اصطلاحاته غير المتجانسة وغير المتسقة"]. وقد صرَّح روم لانداو بأن "من شأن ملابساته وتناقضاته أن تقودنا إلى حافة اليأس"، محذِّرًا كلَّ من يريد التوفُّر على كتبه بأنْ وحده إعجاب عميق جدًّا يمكن أن يشجعه على "مجابهة تلك المصاعب التي لا تُحصى والتي ارتأى ابن عربي أن من الضروري إيجادها".

إن من شأن تعقيد مذهبٍ يحيط في تأليف مذهل بميادين العلوم النقلية كافة، من الاجتهاد الفقهي وصولاً إلى الإلهيات، والصياغات الملتبسة والملغَّزة التي كثيرًا ما يُلبِسها إياها الشيخُ الأكبر، ناهيكم أخيرًا عن ضخامة مؤلَّفات تشتمل على عشرات آلاف الصفحات، أن يثبط همة الساعي إلى نشر التعاليم الأكبرية. لكن ليت صيت هذه المصنفات الهائلة يقتصر على رميها بالغموض! فهي كذلك، في الإسلام، مرارًا ما تُرمى بالزندقة، وذلك منذ أكثر من سبعة قرون؛ وهذه السِّجالات تتواصل في يوم الناس هذا بنفس الحدة التي كانت عليها أيام ابن تيمية. وحتى عند مشايخ الصوفية، فإن التنبيهات تتواتر. والمريدون في ابتداء أمرهم غالبًا ما يحذَّرون من قراءة الفصوص والفتوحات، وذلك لأسباب نستشف طبيعتها من ملاحظات ابن حجر. يبدو، إذن، وكأن الشروط كلَّها اجتمعت لحَصْر معرفة أفكار ابن عربي في أوساط ضيقة من المتعلِّمين الذين لا تُرهِبهم لا صعوبة التصانيف ولا إدانات الفقهاء؛ لكن الأمر ليس على هذا النحو.

لاحظ العديد من الباحثين اتساع المدى الجغرافي – من المغرب إلى الشرق الأقصى – لتأثير ابن عربي. لكن الأهم من ذلك هو قياس عمق هذا التأثير وفهمه: إن سمة التعليم الأكبري لم تنطبع في الصوفية "العقلية" وحسب؛ إذ يمكن تحسُّسها أيضًا وسط نطاق من الطُّرُق التي تتداخل فيها جميع الطبقات الاجتماعية ومختلف المستويات الثقافية. فـ"العارفون" الذين يخصُّهم ابن حجر بقراءة ابن عربي ليسوا دومًا بين أصحاب العلم المعترَف بهم؛ وعلى العكس، فإن "الجهَّال" ممَّن يرون في قراءة الفصوص والفتوحات "سُمًّا زعافًا" مرارًا ما يتجنَّدون في عِداد رجال الدين.

كذلك فإن جاك بيرك، في المؤلَّف الذي خصَّصه للصوفي المغربي اليوسي (توفي في العام 1691)، حيث يصر على الدين الكبير الذي يدين به هذا الأخير لابن عربي، يلفت الانتباه بهذا الصدد إلى الاندماج، في مغرب القرن السابع عشر ذاك، بين "تيارَيْ سِيَر الأولياء الشعبية والنَظَر العالِم". فقد كتب يقول: "كان تصوف ذلك الزمان يجمع بين العلوم النقلية الأكثر تفقهًا، الواردة من الأندلس أو من المشرق، وبين هَبَّة ريفية." وهذه الملاحظات لا تصح على اليوسي ومغاربة عصره وحسب، بل أغلب الظن أنها تستوجب التعميم، كما يشهد على ذلك السريان الواسع لمفاهيم أساسية تعود بأصلها إلى تصانيف الشيخ الأكبر. إن بحثًا مستفيضًا لكيفيات هذا الانتشار وقنواته لَيستدعي تحليل عددٍ لا يُحصى من النصوص، تنتمي إلى مختلف الميادين اللغوية، والقيام بالعديد من التحريات الميدانية. إنما على أساس توثيقي أكثر تواضعًا بكثير، يبدو من الممكن إيضاح بعض جوانب هذه الظاهرة، واقتراح بعض المؤشِّرات لِمَن قد يتوفرون على إظهار بعض العلامات، المكتومة غالبًا، لهذا التشريب الأكبري وعلى توضيح آلياته. وجلي أن هذه المشكلة لا تخص المختصين بابن عربي فقط: فيما يتعدى الاعتبارات التي تهم تاريخ الفكر، فإن المسألة المطروحة هي أيضًا مسألة المسافة الفاصلة بين التصوف "المثقف" والتصوف "الشعبي".

وقد ميَّز الباحثون الذين تتناول مؤلَّفاتهم الشيخ الأكبر وأخلافه العقليين تمييزًا طبيعيَّا دراسةَ الأدب "النبيل" – ذاك الذي تعاطاه كبار مريديه وشارحيه، كالقنوي والجيلي والقاشاني والجامي إلخ. وهذه الدراسة لا يجوز إهمالها من المنظور الذي أشرنا إليه لتوِّنا؛ إذ إن الانتشار الجغرافي لمخطوطات هؤلاء المؤلِّفين، وعدد مؤلَّفاتهم المطبوعة، وتاريخ نشر طبعاتها ومكانه – كل ذلك يقدِّم دلائل هامة على إمكانات ولوج المذهب الأكبري، في هذا الوقت أو ذاك، أو في هذا المكان أو ذاك. لكن من الجوهري أن نأخذ بالحسبان أيضًا المؤلِّفين الأكثر تواضعًا، ذوي الصيت المحلِّي المحض، وحتى كتبًا مجهولة المؤلِّفين أو ممَّن يصعب تحديدهم.

غير أن الحيطة تفرض نفسها على الفور: إن غياب المرجعية البيِّنة الخاصة بابن عربي، وحتى وجود مرجعية سلبية، ليسا ذوَيْ دلالة مسبَّقًا. لذلك، وفيما يتعلق بالنقطة الأولى، فإني لن أذكر حاليًّا غير مثال واحد شديد الإنارة: في الطريقة العلوية (وهي فرع من الطريقة الشاذلية الدرقاوية، أسَّسه الشيخ أحمد بن عليوا المستغانمي، المتوفى في العام 1934)، مازال الفقراء والمريدون – وجلُّهم من العمال الجزائريين المقيمين في أوروبا – يقرؤون تصانيف المؤسِّس ويشرحونها. وبين هذه التصانيف نجد تفسيرًا (جزئيًّا) للقرآن بعنوان البحر المسجور في تفسير القرآن بمحض النور: وهذا التفسير قد طُبِعَ أخيرًا في مستغانم، بعد أن تداوله القوم على هيئة نسخ مخطوطة. والشيخ ابن عليوا يفسِّر أولاً الآيات 5-7 من سورة البقرة، فيفسِّرها أولاً على الطريقة النقلية في عرض من خمس نقاط – ثم يضيف لهذا التفسير ما يسميه "إشارة"، يبسط فيها الشيخ تأويلاً كان ابن تيمية، في جملة آخرين، يستنكره عند ابن عربي بوصفه من صريح الكفر، مستعيرًا الحجة فعلاً، وعلى نحو شبه حرفي، من الباب الخامس من الفتوحات الذي سنتحدث عنه أدناه. بيد أن الشيخ أحمد بن عليوا لا يذكر ابن عربي البتة، في حين أنه يُتفَّق له في تفسيره أن يشير بالاسم إلى مؤلِّفين آخرين. يجوز لنا هاهنا أن نفسر هذا الصمت بحدَّة السِّجالات التي كانت دائرة آنذاك بينه وبين ممثِّلي حركة الإصلاحيين، وخاصة منهم الشيخ ابن باديس. من هنا فإن إضافة إحالة إلى الشيخ الأكبر إلى نصٍّ فاضح في حدِّ ذاته قد تكون بمثابة استفزاز عديم الجدوى. مهما يكن من أمر، فإن هذا التفسير، شأنه شأن غالبية مؤلَّفات الشيخ ابن عليوا، يتضمن استعمالاتٍ أخرى لمفاهيم أكبرية حصرًا، وغير مشار إليها بوصفها كذلك، هي من الكثرة بحيث لا مجال لإيرادها هنا.

إذا كان بالإمكان، عن عمد أو عن غير تعمُّد، تقديم مباحث من المذهب الأكبري من دون أن يُذكَر مصدرها – ولسوف نقع على حالات أخرى من هذا النوع – فقد يصادف أيضًا أن نلحظ، في النصِّ نفسه (وحتى في عبارة المخاطَب نفسه)، وفي الوقت نفسه، شجبًا لابن عربي يَرِدُ إلى جانب أفكار وعبارات أكبرية حصرًا. وهذا الالتباس، سواء كانت تُمليه مبرِّرات مناسبة روحية أو حذر سياسي، كان في واقع الأمر موقفًا شديد الشيوع وقديمًا للغاية – إذا صدَّقنا نكتة تعود روايتُها، على ما يبدو، إلى الفيروزبادي،] فإن القاضي الشافعي الشهير عز الدين بن عبد السلام لزم الصمت حين وُصِفَ الشيخُ الأكبر أمامه بالزنديق – وهو مصطلح كان يوصَم به المانويون عادة، إنما طبَّقه مؤرِّخو البدع على كلِّ من يُشتبَه في كونهم من المفكِّرين الأحرار أو الملاحدة – إنما حين سأله، مساء ذلك اليوم، أحد مريديه ممَّن شهدوا الحادثة، أجابه بأن ابن عربي كان قطب وقته، أي رئيس مراتب أولياء زمانه.

في بعض الطُّرُق – وتخطر ببالنا حصرًا الطريقة الخلوتية وفروعها المختلفة – فإن نفوذ الشيخ الأكبر أمر مقرَّر. لكنْ في الكثير من الطرق الأخرى، فالأشيع أن العديد من المشايخ، ممَّن أبدوا تحفظات على ابن عربي، ينتقدون مواقفه ويمنعون مريديهم من قراءة كتبه. وهذا الموقف قد يكون مجرد احتراز خطابي للتحايل على رقابة الفقهاء. أما في الأغلب الأعم، فإن هذه التحذيرات والتحريمات إنما دافعها الحرص على تجنب سريان أفكار، على كونها صحيحة من حيث الجوهر، إلا أنه قد يُسيء فهمَها مريدون ليسوا مؤهَّلين روحيًّا بما يكفي، فتعرِّض صحة إيمانهم للخطر. من هذا المنظور، على ما يبدو لنا، ينبغي فهم موقف زرُّوق في كتابه قواعد التصوف، ومواقف غيره من مشايخ الشاذلية. وهذا الحذر نفسه يقود شيخ كالشعراني إلى توصية المريد بأن يعرف تأويل تلك الإشارة اللطيفة التي يلمِّح إليه بها شيخُه، آمرًا إياه بقطع قراءته بصوت مرتفع على الفور إذا اتفق لجُهَّال أن يحضروا: هو مجرد تذكير، للمناسبة، بقاعدة عامة التطبيق جدًّا، كما يتبيَّن لنا، إنْ من قراءة النصوص القديمة أو من مراقبة مسلك شيوخ اليوم. ففي فقرة من كتابه رَشَحَات عين الحياة – وهو واحد من الكتب الأساسية في تاريخ النقشبندية حتى أوائل القرن السادس عشر – يروي المؤلِّف بأن الشيخ عبيد الله أحرار كان يشرح له الفصوص عندما جاءه زوار؛ فصمت الشيخ من فوره وأخفى الكتاب. وعبيد الله أحرار نفسه كثيرًا ما كان يقبس من ابن عربي؛ وفي لقائه الشهير بالجامي في طشقند في العام 1469، فسَّر له نقطة من المذهب لم يستطع أن يدركها في الفتوحات المكِّية. وقد كانت التحفظات أو الانتقادات المستهدِفة لابن عربي التي نصادفها بقلم كتَّاب نقشبنديين من عصور مختلفة تترافق في الواقع باتِّكالٍ أقصى على تعاليمه، كما بيَّن ذلك فريدمان أحسن بيان بخصوص أحمد السرهندي. ومؤلَّفات ر. س. أوفاهي تشدِّد بالمثل عند وجه آخر كبير من وجهاء الصوفية "الإصلاحية" – هو أحمد بن إدريس، الذي أسَّس مريدوه الطريقتين السنوسية والختمية – على وفاء للمذهب الأكبري، الأمر الذي عرَّضهم لهجمات وهابية شديدة.

نستخلص مما سبق نتيجة عملية، ألا وهي أنه لكي يستنبط الطالب في النصوص – سواء كانت شهيرة أو مغمورة – تأثيرًا قد يكون إما غير واعٍ وإما مغيَّب تغييبًا إراديًّا وإما حتى منكَرًا بقوة، فإن معرفةً بأفكار ابن عربي لا تكفي؛ إذ ينبغي أن تُضاف إليها ألفة تامة بمفرداته وبخصائص أسلوبه، وببعض العبارات الخاصة به التي يدل تكرارُها في كتاباته على مبلغ أهميتها. إن هذه الألفة بالاصطلاحات وبالأساليب البيانية وبالمباحث المتكررة لتصانيف الشيخ الأكبر هي، إلى ذلك، أمور لا غنى عنها للتمييز، في مؤلَّفات كاتب ما، بين ما يخص التراث المشترك للتصوف وما يشكل خصوصية إبداع ابن عربي: فأصالته القوية يجب ألا تُنسينا بأنه، في الواقع، وريثٌ وناقلٌ لموروث سابق غني أيضًا؛ إذ يمكن، بالتالي، تعليل ما نجد من تشابهات مع فكره بالعودة المباشرة إلى الينابيع التي استقى منها. لكن ورود بعض المصطلحات – "النَّفَس الرحماني"، "الفيض الأقدس"، "الفيض المقدس"، "ختم الأولياء"، "تجديد الخلق"، إلخ – في كتابٍ ما هو عادة مؤشر لا يخدع: حتى إنْ ظهر بعض هذه العبارات أحيانًا ظهورًا طارئًا في نصوص سابقة لابن عربي، فإن مؤلَّفاته هي التي منحتْها استعمالاً دقيقًا وضَمِنَتْ لها البقاء في لغة الصوفية. وأحيل هنا بهذا الصدد، على سبيل المثال، إلى ما سبق لي أن عرضت له في غير مكان بخصوص عقيدة الولاية، وبخاصة مفهوم " ختم الوَلاية" – الذي ظهر، كما هو معلوم، عند الحكيم الترمذي في القرن الثالث للهجرة، إنما الذي تبسَّط ابن عربي في شرحه في مذهبه بما جعله بعدئذٍ واحدًا من العناصر الأساسية لكتب طبقات الأولياء اللاحقة.

إن معرفة معمَّقة بأشكال الخطاب الأكبري، وليس بمضمونه وحسب، يسمح بالعثور على "تصاديات" كاشفة للغاية كان يمكن، لولا هذه المعرفة، أن تمرَّ من غير أن تُلحَظ. ففي قصيدة غير منشورة لشيخ جزائري معاصر كبير يَرِدُ البيت التالي:

وسبع المثاني حقيقة أمري

سرعان ما يذكِّر أيَّ قارئ لابن عربي ببيت وارد في مستهل الفتوحات ونقع عليه متكرِّرًا في مناسبات عدة في مؤلَّفات أخرى:

أنا القرآن والسبع المثاني

مما لا ريب فيه البتة هاهنا أننا أمام إشارة مقصودة، ولا نستغرب، من ثَمَّ، حين نعلم أن كاتب هذه القصيدة وابنه توفرا طويلاً على كتب ابن عربي، لا بل وقع بين أيديهما، يوم كانا في رحلة إلى سورية، مخطوطٌ بخطِّ يده لإحدى رسائله التي كانت تُعتبَر مفقودة.

لقد سبق لنا الإصرار، من أجل التأكد من نفوذ الشيخ الأكبر خارج نطاق المثقفين وتعيين وسائط هذا النفوذ، على ضرورة التمعُّن فيما يمكن تسميته بـ"كتب الرفِّ الثاني"؛ ونعني بها، بصفة خاصة، الكتيبات الأساسية المكتوبة من أجل المريدين في ابتداء أمرهم، ولكنْ الأخبار الإقليمية أيضًا – والكثير منها غير منشور – وكذلك دواوين القصائد المستعمَلة في الطُّرُق، والموالد التي وُضِعَتْ على شرف أولياء محلِّيين، وإجازات [المبايعة بالطريقة]، وسلاسل المشايخ المغمورين ممَّن لم يتخطَّ صيتُهم حدود قريتهم أو قبيلتهم قط. فإن من شأن نشر هذه النصوص – التي هي ليست في الغالب إلا كراريس موجزة مطبوعة طباعة رديئة وتُباع بأسعار بخسة – أن يفسِّر أمورًا كثيرة.

إن تأثير ابن عربي محسوس جدًّا، على سبيل المثال، في كتاب واسع الانتشار من كتب التجانية، ألا وهو ميزاب الرحمة الربانية في التربية بالطريقة التجانية للشيخ عبيدة بن محمد الصغير الشنقيطي (توفي في العام 1284 هـ). وهو أبْيَن في وجيز لقواعد الرحمانية (التي كانت، بما لا ريب فيه، الطريقة الأكثر شعبية في الجزائر) طُبِعَ في تونس (العام 1351 هـ) بأمر من محمد بن بلقاسم، شيخ زاوية بوسعادة: ففيه تَرِدُ صراحة أقوالٌ لابن عربي ويُدافَع عنه ضدَّ خصومه. ولا تقل عن ذلك صراحة الوصية الكبرى لعبد السلام الأسمر الفيتوري (مؤسِّس فرع ليبي للطريقة العروسية، المتفرعة من الشاذلية)، المطبوعة في بيروت في العام 1958، حيث يصرِّح المؤلِّف (ص 60): "إخواني، وعليكم بمحبة محيي الدين بن العربي وتعظيمه." وهنالك حالة أخرى جديرة بالملاحظة، هي حالة كراس صغير، طُبِعَ للمرة الأولى في حلب في العام 1351 هـ ومازال متداولاً في سورية، عنوانه رسالة السلوك الخادمة لجميع الطرق؛ وهو عبارة عن عرض شديد الإيجاز لأشواط الطريقة (التي يعدِّد النص سبعة منها)، ويتضمن كذلك الأساليب الخاصة للـذكر واللطائف المقابلة لها على التوالي في بنية الإنسان. والقواعد الواردة في هذا النص، يشير واضعاها صراحة أنهما اشتقاها "من مؤلَّفات الشيخ الأكبر"؛ لا بل إن أحدهما – وهو المدعو محمد رجب الطائي – يقدِّم نفسه على أنه من ذرية ابن عربي. ولا بدَّ لنا هاهنا من الإشارة إلى أن جميع الكتابات من هذا النوع إنما تشدد أكثر ما تشدد على السلوك في الطريقة وعلى درجاتها، لا على المبادئ المذهبية. لذا فإن الكلمات المفاتيح التي ينبغي التفتيش عنها فيها هي، إذن، تلك التي بين مفردات ابن عربي تتعلق بـ"السلوك" الصوفي وبـ"الولاية"، وليس تلك التي يختص بها مذهبُه في الإلهيات. إن تجريدًا منهجيًّا لهذه الكراريس يبيِّن، أية كانت الحال، أن الحالات المعدودة المذكورة أعلاه ليس فيها من الاستثناء شيء على الإطلاق وأن بوسع أيِّ باحث أن يكتشف غيرها كثير من غير عناء.

لكن العديد من أنماط الكتابات الأخرى التي كان لها دور لا يستهان به – وإنْ على مقياس محدود – لا بدَّ من أخذه بالحسبان؛ وهذا يصح على الطبقات أو الأخبار المتنوعة التي ندين بها لأساتذة محليين. وهنا قد يكون من المثير للاهتمام، على سبيل المثال، استخراج الإحالات التي يسهل التعرف إليها بوضوح إلى مؤلَّفات ابن عربي من كتاب يعرفه جيدًا المؤرخون المغاربة: سلوة الأنفاس في من أُقبِرَ من العلماء والصلحاء بفاس لمؤلِّفه محمد بن جعفر بن إدريس الكتَّاني (1857-1927). وهو كتاب غني بالتفاصيل عن طبوغرافية فاس، سبق أن استعمله كلٌّ من رونيه باسِّيه وليفي بروفنسال، من بين آخرين. لكن ما يستلفت انتباهنا في سلوة الأنفاس هو أن كاتبه، لكي يحدِّد القامة الروحية للأولياء الذين يخصهم بالترجمة، يلجأ إلى مصطلحات أكبرية: فهذا الولي "موسوي المقام"، وذاك "عيسوي المقام"؛ ومفهوم "ختم الأولياء" الخاص للغاية بابن عربي وارد عدة مرات. وما ينبغي النظر فيه، بهذه المناسبة، ليس ألفة الكتَّاني الصريحة بمقامات الأولياء بحسب ابن عربي – وهذا ليس بمستغرب جدًّا كما سنرى – بل دور الناقل الذي يمكن لمؤلَّف كمؤلَّفه أن يلعبه حيال قرَّاء ليسوا جميعًا راغبين حتمًا بالاطِّلاع على الفتوحات المكية أو قادرين على ذلك. فمن خلال تشرُّب غير واعٍ غالبًا، تصير مصطلحات كاتب عصيٍّ على الفهم ومشبوه نوعًا ما، بفضل كتب من هذا النوع – وهي كثيرة –، هي اللغة الصريحة التي يجري الكلام بها على الولاية والأولياء.

فلئن لم يكن سلوة الأنفاس مخصصًا لصفوة عقلية – ولم تقرأه هذه الصفوة وحسب – فإنه لا ينتمي قطعًا إلى "الأدب الشعبي". غير أن تلك هي حالة كتاب ينتسب إلى ذلك الجنس الشهير الذي يُقبِل عليه دومًا جهورٌ عريض، كتاب جُمِعَتْ فيه "خصائص" بعض سور القرآن، والذي ينتسب إلى مجال ما يمكن أن نسميه بـ"السحر اليومي" – ونقصد هنا كتاب نعت البدايات وتوصيف النهايات، الذي طُبِعَ عدة مرات (في فاس وفي القاهرة) والمنتشر جدًّا في المغرب كما في الشرق الأدنى. وهناك نصوص أخرى مشابهة تنطبق عليها الملاحظات عينها؛ لكننا لا نخص هذا النص بالتنويه إلا بسبب شخصية كاتبه ولأنه أُلِّف في الزمن المعاصر، شاهدًا بذلك على دوام انتشار المفاهيم الأكبرية. إن نعت البدايات من تصنيف ماء العينين الشهير، الوجيه المرموق الذي حمَّلتْه البروباغاندا الاستعمارية الفرنسية (ظلمًا) مسؤولية اغتيال كزافييه كوبولاني]. إن التصانيف بقلم هذا "المرابط" الموريتاني (ويجوز لنا أن نعتقد بأن الأمر يصح على تعليمه الشفوي) حافلة بالإحالات الصريحة إلى ابن عربي وإلى عدد من الكتَّاب من مدرسته، كعبد الرزاق القاشاني وعبد الوهاب الشعراني وإسماعيل حقي. وهكذا فإن ما يبدو، للوهلة الأولى، مجرد مجموعة من الوصفات التقية، يتبيَّن، عند الفحص عنه، مشبعًا بإحكام بمنقول تأويلي يعود إلى الشيخ الأكبر. إن نعت البدايات، بهذه المثابة، لا يقدِّم إلا نسخة مفتقرة قطعًا من ذلك الميراث الغني، لكنها ليست غير وفية له.

وإلى هذا النمط من الأدب الشعبي تنتمي مؤلَّفات من نحو شمس المعارف الكبرى للبوني (الذي يذكر ابن عربي في سلاسل نقله) أو كنز الأسرار لمحمد النازلي (توفي في العام 1884)، الذي مرارًا ما يقبس من ابن عربي ويورد مقتطفًا طويلاً من رسالة الأنوار (وليس من التدبيرات الإلهية، كما جاء في عنوان الباب). إن كتاب كنز الأسرار، الواسع الانتشار في العالم العربي، هو كذلك، على سبيل المثال، في إندونيسيا، حيث أعيد طبعه مؤخرًا. لكن بعض تفاسير القرآن أسهمت إسهامًا أكثر مباشرةً في ذيوع صيت ابن عربي وفي سريان أفكاره. وهذه هي الحال مع روح البيان لإسماعيل حقي، حيث تحتشد المقبوسات عن ابن عربي. وهذا التفسير واسع الانتشار للغاية، إلى حدِّ أنه تمَّ رصد وجود مجموعة كاملة من أجزائه العشرة في إحدى مكتبات مكة قبل حوالى خمس عشرة سنة، حيث قصَّرتْ رقابة المراقبين الوهابيين عن القيام بدورها.

وبالوسع كذلك بلا تردد إطلاقُ وظيفة التوسُّط نفسها على أحد أوسع نصوص الطريقة التجانية انتشارًا، ألا وهو جواهر المعاني لعلي حرازم، الذي لا بدَّ لجميع أعضاء هذه الطريقة عمليًّا من قراءته، لكنه حَظِيَ بقرَّاء كثيرين جدًّا خارجها أيضًا. ونسختنا من الجواهر موشاة بإشارات إلى ما لا يُحصى من المقاطع التي لمسنا فيها ذكرًا لابن عربي أو تلميحات إلى هذا المبحث أو ذاك في مؤلَّفاته. فإلى جانب المقبوسات العديدة – المعلنة أو غير المعلنة، لكنْ التي يمكن تمييزها دومًا – من نظرية ابن عربي في الولاية، يدمج أحمد التجاني، في الأحاديث أو الرسائل التي دوَّنها علي حرازم بعناية فائقة، في مذهبه سمات عديدة من مذهب ابن عربي، مستعملاً نفس المصطلحات التي يستعملها: "النَّفَس الرحماني"، مفهوم "الحضرات" الخمس، "الحقيقة المحمدية" وكلِّية الرحمة الإلهية التي تشمل حتى الهالكين... كذلك من ابن عربي، وتحديدًا من الباب الثامن من الفتوحات، يستقي التجاني ما يسمِّه بـ"أرض السَّمْسَمَة"، في دلالة رمزية إلى "عالم الخيال".

والمثير للانتباه أكثر هو أن جميع كتَّاب التجانية، على غرار علي حرازم، أو أحمد التجاني نفسه بالأصح، سوف ينهلون من النبع الأكبري، ويسهمون في بثِّ ما جمعوه. وهذه، حصرًا، حالة محمد الشنقيطي في كتابه بغية المستفيد، مثلما هي حالة الحاج عمر في مؤلَّفه كتاب الرمه، حيث توجد إشارات متكررة إلى الشيخ الأكبر، ولاسيما، مرة أخرى أيضًا، الاستعمال المنهجي لمذهبه في الولاية.

واسم الشعراني (المتوفى في العام 1565)، الذي كثيرًا ما يَرِدُ في المؤلَّفَيْن الأخيرين، يقودنا هاهنا إلى إيراد تفصيل هام. إن الكتابات المتنوعة – الحديثة نسبيًّا على العموم والتي مازالت إلى اليوم قيد التداول – التي ارتأينا الإشارة إليها كحوامل محتمَلة لتأثير ابن عربي هي عبارة عن ضرب من التبسيط نوعًا ما؛ لكنْ يمكن لها، بدورها، أن تكون محلَّ شبهة النقل عن تبسيطات سابقة: بعبارة أخرى، فإن ما تتضمَّنه من مقبوسات وشروح وملخصات عن ابن عربي لا يقيم دليلاً على أن كتَّابها قرؤوا شخصيًّا مؤلَّفات الشيخ الأكبر. فمحمد الشنقيطي يصرِّح بأن رسالة عنقاء مغرب وقعت بين يديه، لكنه يعترف بأنه لم يفهم منها شيئًا يُذكَر؛ فمن الجلي أن مقبوساته من ابن عربي إنما تمرُّ عبر وسيط أيسر فهمًا يقبس منه أيضًا، ألا وهو اليواقيت والجواهر للشعراني، وهو كتاب يقدِّم نفسه كشرح على الفتوحات المكية، لكنه في واقع الأمر وجيز ميسَّر له: فجميع ضروب المسائل، وفق تصنيف يتطابق بشكل عام مع بنود "عقيدة" تقليدية، تجد أجوبة عليها مستقاة من الفتوحات، مع إشارة إلى الباب الذي استُقِيَتْ منه]. وهناك عدة طبعات متتالية من اليواقيت، وقد ساهمت تطوراتُ المطبعة العربية قطعًا في انتشاره؛ لكن شعبيته سابقة لذلك بزمان طويل: فنحن نعرف – من الشعراني نفسه ومن المليجي، مترجم سيرته – بأن نسخًا من مؤلَّفاته، ما أن يتم إنجازها حتى كانت تطير إلى مختلف أرجاء العالم الإسلامي، من شمال أفريقيا حتى الهند، الأمر الذي يؤكده، على كلِّ حال، تناثُر المخطوطات المبوَّبة[.

ويستند الحاج عمر بالتأكيد على الشعراني مرارًا، وإن يكن قطعًا على اطِّلاع مباشر على الفتوحات. لكن لا يمكن، بالمقابل، قول الشيء نفسه عن مؤلِّف آخر من أفريقيا السوداء، هو السنغالي إبراهيم نياس (توفي في العام 1975)، الذي أسَّس طريقته الخاصة، قبل أن يُنشئ الاتحاد الإسلامي الأفريقي، والذي أشار مِرفِن هِسكِت إلى ما يدين به إلى ابن عربي لقد كان بوسع إبراهيم نياس، المنشق عن التجانية، أن يجد حتمًا عند مشايخ هذه الطريقة العديد من العناصر الأكبرية الأصل. لكننا نميل إلى الاعتقاد بأن تصوراته النشورية تدين بالكثير من عناصرها إلى اليواقيت، وليس إلى توفُّرٍ دؤوب على كتب ابن عربي. ولدينا الشك نفسه أيضًا فيما يتعلق بـ"المهدي" السوداني، محمد بن عبد الله، الذي كان ينتمي، كما هو معلوم، إلى الطريقة السمَّانية التي أسَّسها أحد مريدي الشيخ مصطفى كمال الدين البكري، مريد النابلسي. وتشهد كتابات الشيخ البكري – ولا غرابة في الأمر في تلك الظروف – على تأثير كبير لابن عربي (يَسِمُ بقوة فروع الطريقة الخلوتية التي كان ينتسب إليها كافة: فعلي قره باش، الوارد في سلسلته، كان صاحب شرح على الفصوص)؛ مما لا يستبعد أن يكون "المهدي" قد حصَّل بهذه الطريقة شيئًا من الألفة بأفكار تعود إلى ابن عربي. لكن هل يكفي هذا لشرح تلك الفقرات من المنشورات التي تقبس من الشيخ الأكبر؟ لقد أشارت نيكول غراندان بأن "المهديين" المعاصرين يذكرون رسالة عنقاء مغرب لابن عربي بوصفها المصدر الرئيسي لمذهب المهدي وربما كان الباب 366 من الفتوحات، الذي يبحث في "وزراء المهدي"، مصدرًا من تلك المصادر. لكن هل الأمر عبارة فعلاً عن استعمال مباشر لهذه المصادر، أم هو استخدام حصيف للمقتطفات المخصَّصة للاستخدام الشعبي التي يوردها الشعراني في اليواقيت أو في بعض كتبه الأخرى؟ إن الفرضية القائلة بأن "المهدي" قد اطَّلع على التفسير الكبير للقرآن لابن عربي مستبعَدة على كلِّ حال: بعد التحقق من الأمر، فإن الإشارات إلى هذا التفسير في المنشورات لا تحيل إلى أحد مؤلَّفات ابن عربي، بل بالأحرى إلى المقطع الواحد عينه من تفسير القاشاني (الذي يصر النُسَّاخ والناشرون منذ وقت طويل على نسبته إلى الشيخ الأكبر)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمرالحسني



عدد المساهمات : 37
تاريخ التسجيل : 27/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: نظرات في أذواق ابن عربي النورانية   الثلاثاء سبتمبر 28, 2010 9:27 am

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، اللهم صل على المتبوع المقدم ، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلى آله وصحبه و سلم ،
أما بعد،
في رحلة النور ، كما يعلم الجميع ، ينكشف الغطاء على العبد بمجرد ما ينوي السلوك الى ربه ، وبلوغ مقامات الرجال.
والسير الى الله منوط أحيانا بوجود الولي المربي ، وتارة أخرى بالعناية الأزلية في أختيار الله للعبد وأجتباؤه بالجذب الألهي ، أو من يجذبه أليه ولو بعد حين.
نبدأ في رحلتنا عبر دراسة المصطلحات عند القوم بأول مصطلح نجده عند أهل الله و يسمونه بالأنوار ، وهي ما ينقدح في قلب العبد من المواهب و العطايا و الواردات و الفهوم ، وما تشاهده البصيرة من عطاء الله لعباده ، وما في ملك الله من الحضرات و المقامات و المنازل ، وما في مراتب الأنزال من المتاعب و الأنواء.
قول الحكيم الترمذي في وصف ولي الله قائلا :*.......والولياء عندنا على صنفين : صنف أولياء حق الله ، و صنف أولياء الله. وكلاهما يحسبان انهما أولياء الله..
فاما ولي حق الله فرجل أفاق من سكرته ، فتاب ألى الله تعالى ، وعزم على الوفاء لله تعالى بتلك التوبة.
فنظر الى ما يراد له من القيام بهذا الوفاء فاذاهي حراسة هذه الجوارح السبع : لسانه و سمعه و بصره و يده و رجله و بطنه وفرجه.
فصرفها من باله ، وجمع فكرته وهمته في هذه الحراسة ، ولها عن كل شيء سواها ، حتى أستقام.
فهو رجل مؤدي الفرائض حافظ للحدود ، لا شتغل بشيء سوى ذلك . يحرس هذه الجوارح حتى لاينقطع الوفاء لله تعالى بما عزم عليه .فسكنت نفسه ، وهدأت جوارحه.
فنظر ألى حاله ، فأذا هو على خطر عظيم , لأنه وجد نفسه بمنزلة شجرة قطعت أغصانها و الشجرة باقية بحالها .فما يؤمنه أن يغفل عنها قليلا فأذا الشجرة قد بدت لها أغصان ، كما كان بديا ، فكلما قطعها خرج مكانها مثلها.
فقصد الشجرة ليقطعها من أصلها ، ليأمن من خروج أغصانها ، فقطعها.
فظن أنه قد كفى مؤنتها ، فأذا أصلها قد بدت منه أغصان ! ، فعرف أنه لا يخلص من شرها دون أن يقلعها من أصلها.فأذا قلعها من أصلها أستراح.)
كتاب ختم الأولياء ص 117.118.119
نجد في كتلب أهل الله ، مسالة مجاهدة النفس و قلع شرورها من اصلها : النفس و الهوى و الشيطان.
فيخيل للقارئ أستحالة تحقيق مناط مجاهدة النفس ، وتربيتها حتى تستقيم على أمر الله ، لهول الكلمات المستعملة في السياق التربوي.
والأمر لا يعدو ألا وصفا حقيققيا ، وفعلا وجدانيا جسديا شاقا ، يتكبده السالك في أول الطريق ، من سهر و قيام لليل ، وأذكار مرتبة بحسب الوقت و الوظيفة ، وما يرتبه الولي المربي لمريده ،ولسابقة الطالب لوجه الله عند الله.
نجد أصطلاحا عجيا ستعمله الولي الأغر مولانا عبد العزيز الدباغ :* محاصرة حظ الشيطان *.وهو مصطلح أن امعنا فيه النظر وجدناه أقرب الى الخطاب النبوي الصادق .
فكيف يحاصر حظ الشيطان منه ؟.
وكيف يبدا المعراج الروحي للعبد؟
وكيف يضع قدمه على الطريق ؟.
أول الأنوار التي يتلقاها العبد عند اجتماع سابقته مع ما أعد الله له من الخير، الميل الفطري الى الأنتساب الى الطائفة الصفية من أهل التصوف ثم ألتماس بركة الصحبة و التباع من الولي المربي ، ثم منازلة النفس بامره و توجيهه.
قول أبن عربي في رسالة الأنوار :
*......ومع ان طريق الحق واحدة فانه يختلف وجوهه باختلاف أحوال سالكيه من أعتدال المزاج وأنحرافه ، وملازمة الباعث ومعيته وقوة روحانيته و ضعفها واستقامة همتها و ميلها وصحة توجهه و سقمه.
فمنهم من تجتمع له ومنهم من تكون له بعض هذه الأوصاف فقد يكون مطلب الروحانية شريفا و لا ساعده المزاج وكذالك ما بقي فأول ما يتعين علينا أن نبين لك معرفة المواطن كما هي وما يقتضي ما أريد منها هنا و الموطن عبارة عن محل أوقات الأوراد التي تكون فيه.
وينبغي لك أن تعرف ما يريده الحق منك في ذلك الموطن فتبادر أليه من غير ثبط و لاكلفة ، والمواطن وان كثرث فأنها ترجع ستة.
الأول : موطن ألست بربكم و قد أنفصلنا عنه.
الثاني : موطن الدنيا الذي نحن فيه.
الثالث: موطن البرزخ الذي يصير أليه بعد الموت الأصغر و الأكبر.
الرابع: موكن الحشر بارض الساهرة و الرد في الحافرة.
الخامس: موطن الجنة و النار.
السادس: موطن الكثيب خارج الجنة....* ص 123.124.
وهذه بحسب ابن عربي رضي الله عنه المواطن التي يمر بها المرء خلال يره الى الله ، والحقيقة عند ابن عربي رضي الله عنه من خلال هذه المواطن لا يمكن للعقل المعاشي أن يكون له نصب من التدبرالا ما كان في آيات الكون المنشورة الماثلة للعيان.
فالواجب على كل عاقل أن يعلم ان السفر مبني على المشقة و شظف العيش و المحن البلايات و ركوب الأخطار و الأهوال العظام ، فمن المحال أن يصح فيه نعيم أو أمان أو لذة فأن المياه مختلفة الطعم و الأهوية و التصريف و أهل كل منهلة يخالف طبع أهل منهلة أخرى ، فيحتاج المسافر لما يصلح بتلقي كل عالم في منزله فأنه عندهم صاحب ليلة أو ساعة و ينصرف فأنى تعقل الراحة فيمن هذه حالته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمرالحسني



عدد المساهمات : 37
تاريخ التسجيل : 27/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: نظرات في أذواق ابن عربي النورانية   الثلاثاء سبتمبر 28, 2010 1:44 pm


fبسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم أخي أحمد يحيى
شكرا على مروركم المبارك
وأرجو أن تساعدني على الأتصال يسيدى الشيخ عبد الباقى مفتاح الاكبرىوارث مولانا ابن عربي رضي الله عنه
وكيف أستطيع أن اتواصل معه فأنا جديد على منتداكم الطيب
والسلام.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
محمد يحيى
الادارة
الادارة
avatar

عدد المساهمات : 313
تاريخ التسجيل : 31/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: نظرات في أذواق ابن عربي النورانية   الجمعة أكتوبر 01, 2010 11:55 am

قريبا نتواصل ونمدكم بالايميل الخاص به ولكن بعد استأذانه وللتصحيح الفقير محمد يحيى الكتانى لا احمد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
نظرات في أذواق ابن عربي النورانية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الساده الكتانيين :: المنتدى الخاص :: علوم ودراسات صوفيه-
انتقل الى: