منتدى الساده الكتانيين
عزيزى الزائر/ عزيزتى الزائرة
يرجى التكرم بتسجيل الدخول ان كنت عضو فى المنتدى أو التسجيل ان كنت ترغب فى الانضمام الى اسرة المنتدى وشكرا
ادارة منتدى السادة الكتانيين

منتدى الساده الكتانيين

ساحه للتصوف الشرعى السلفى على منهج الامام محمد بن عبد الكبير الكتانى
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 دراسات في التصوف ، في الصحبة و الصاحب و المصحوب:

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عمرالحسني



عدد المساهمات : 37
تاريخ التسجيل : 27/09/2010

مُساهمةموضوع: دراسات في التصوف ، في الصحبة و الصاحب و المصحوب:   الثلاثاء أكتوبر 26, 2010 6:52 pm

1.مقدمة :
يعد التصوف من العلوم الأجتهادية المرتبطة بالسلوك الأنساني ، ومن ثم أن لم يذق القارئ و الباحث مرارة السير في انبساطه و انقباضه و حزنه و فرحه و فتحه و استحالة الفتح لأسباب ما، مجرد كاس لاه يضيع وقته في فراغ لا بد منه لاغير.
والتصوف في نفس الوقت علم منضبط له قواعده و أصوله ، والتربية من أهم مباحثه ثم يليها مبحث الولاية و اتباعها للنبوة ، ثم أدب الولي مع الخلق ، و أدب الخلق مع الأولياء ، ثم مبحث المعرفة وما فيها من كشف و مشاهدة في أول مراتبها و يليها المعرفة الحقة التي تتجاوز معرفة المحجوبين من أهل الكشف ، ثم في مراتب التربية و : العامة و الخاصة ، وما يشترط فيها من :
1.سمة الأنتساب و علاماته.
2.الأنقياد و شروطه.
3.التسليم ومزالقه.
4.الأعتقاد وثمراته.
غالبا ما يفرق أهل الأختصاص بين التربية الخاصة و العامة ، فالأولى يشترط فيها وجود الولي المربي ، والثانية وجوده لكن لا يترتب عليها تكليف بل مجرد بركة.
يسعى جدلا بعض الغيورين على نصيحة الشباب الى التربية ، فيوصيهم بقراءة كتب الأمام الغزالي ، وكأن التصوف رحلة علمية ، حرصا منهم على ما في الكتاب من التصوف السني الغير الممزوج بالآراء العقلية و الأجتهادات الفلسفة عند الصوفية ككتب ابن عربي رضي الله عنه. بل و يذهبون الى ضرورة أنشاء مدارس لتربية جيل من العارفين ذوي الشهادات الأختصاصية و كأن التصوف علم وشهادة و عمل.
ومنهم من يقف الى حدود الشرع ، فيرى التربية علم بما في الكتاب و السنة و فق فهم أهل القرون الثلاثة الأولى فقط ، و لا يرى ضرورة وجود المربي بل يجعلم العالم المجتهد القارئ المحصل للعلوم مرب ، وأن كان هذا الأخير لم تنضج ثمرته ، ولم يذق التربية في حضن الرجال ذوي الهمم العالية من أهل الله.
فهؤلاء لم تفقه عقولهم معنى التربية العامة ، وهي تربية يشترط فيها الألتزام بالأذكار النبوية في الصباح و المساء بالأضافة الى الصيام و قيام الليل و الأستغفار بالأسحار وقراءة القرآن و الأشتغال بعلومه و علوم الحديث و الصلاة على الحبيب .
وقد تكون هذه التربية في حضن و لي مرب عالم بخبايا النفوس ، لكنه غير مأمور بالتربية و التسليك ، فهو مجرد ر جل بركة ودعاء و توجيه.
ومن أهل التصوف من يرى لا ضرورة لتربية عامة لأعتقاده أن التربية لها مسلك واحد: شيخ مأذون مرب و مريد سالك تابع .
وفي تلك و تلك مصائب و مزالق و عوائق و قواطع تتلعق على أربع مستويات ذكرناها سابقا ، الأنتساب و الأعتقاد و التسليم و الأنقياد....
فما معنى انتسابي للولي المربي ؟، و ما أعتقادي فيه ؟ و كيف أنقاد له ؟ و كيف اسلم له في معارفه.؟
و قبل ذالك سؤال منطقي ما معنى الصحبة ؟ و هل لها سند شرعي ؟ أم أنها مجرد أصطلاح تربوي مؤصل من فهم القوم لا اصل له في كتاب الله ؟ ،
1.التاصيل :
ما من آية في كتاب الله الا و جاءت في خطاب جماعي ، تذكر بضرورة الأنجماع على الله جماعة و أفراد ، ويجدها من يدعو للأنجماع تحت أمرة الولي المربي ، آية تدل من بعيد أو من قريب ، ففي البحر المديد لأبن عجيبة الحسني رحمه الله يرى في كل آية من ىيات الله دعوة صريحة للقاء أهل الله أهل التزكية و التسليك ، من تفسيره للفاتحة أم الكتاب الى آخر آية من القرآن.
و تفسيره يرتبه أهل العلم بالتفسير بالأشارات.
أ.آيات من كتاب الله :
1.قوله تعالى في سورة البقرة : ( الذين يؤمنون بالغيب و يقيون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) ، البقرة آ 3.
2.قوله تعالى في سورة البقرة و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة و اركعوا مع الراكعين) ، البقرة 43.
3. قوله تعالى : وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله و ما ضعفوا و استكانوا و الله يحب الصابرين).سورة آل عمران ، آ 146.
4. قوله تعالى : ( الذين استجابوا لله و الرسول من بعد ما أصابهم القرح ، للذين أحسنوا منهم و اتقوا أجر عظيم).، س آل عمران آ 172.
5.قوله تعالى في سورة الرعد الآية 7 : ( ولكل قوم هاد).
6.قوله تعالى في سورة يوسف قل هذه سبيلي أدعوا الى الله على بصيرة أنا و من اتبعني و سبحان الله و ما أنا من المشركين) آ 108.
7.قوله تعالى في سورة لقمان : ( و اتبع سبيل من أناب ألي ) آ 15.
8.قوله تعالى في سورة الحجرات : ( محمد رسول الله و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ، تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله و رضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة و مثلهم في الأنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ، وعد الله الذين آمنوا وعملو ا الصلحات منهم مغفرة و أجرا عظيما ) آ 29.
9.قوله تعالى في سورة البلد : ( ثم كان من الذين آمنوا و تواصوا بالصبر و تواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة). آ 17.18.
10.قوله تعالى : ( ياايها النبي أنا أرسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا الى الله بأذنه و سراجا منيرا) سورة الأحزاب آ 46.
ب من خلال الأحاديث النبوية :
1.(حديث مرفوع) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، ثنا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ ).
2.الحديث الثاني رواه ابن حنبل ويعتبر من المراسيل،منهم من اعتبره حديثا غامضا ليس له سند ،لوجود علة السند المنقطع،والحذيث موجود في كتاب الأمام أحمد سماه _كتاب زهدالأنبياء زهد الأنبياء_قوله فيما يرويه عن الله جل جلاله"ان أغبط الأولياء عندي لمؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من صلاة احسن عبادة ربه وكان غامضا في الناس لايشار اليه باالأصابع،فعجلت منيته وقل ثراثه وقلت بواكيه" و الحديث موجود في باب زهد النبي .
3.رواه الإمام أحمد والطبراني والحاكم وهو حديث صحيح عن عبادة بن الصامتعن النبي عن الله تعالى : "حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في. المتحابون في على منابر من نور، يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء" .
4. قال عليه الصلاة والسلام: ((الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)) [رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح].
5.فقد أخرج الشيخان عن أبي موسىٰ الأشعري رضي الله عنه أن النبي قال: ((إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة)).
6. قال عليه الصلاة والسلام: ((لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي)) [رواه أبو داود والترمذي بإسناد حسن
ج.من كلام الصالحين و التابعين و من تبعهم بأحسان الى يوم الدين:
1.من أصول الشيخ البنا رحمه الله: ومحبة الصالحين واحترامهم والثناء عليهم بما عرف من طيب أعمالهم قربة إلى الله تبارك وتعالى. والأولياء هم المذكورون في قوله تعالى: (الذين آمنواوكانوا يتقون)، آ63 سورة يونس. والكرامة ثابتة لهم بشرائطها الشرعية، مع اعتقاد أنهم رضوان الله عليهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا في حياتهم أو بعد مماتهم فضلا عن أن يهبوا شيئا من ذلك لغيرهم.
2.قال رحمه الله يخاطب مريد وجه الله، يضع قدمه على أول مدرجة على الطريق إلى الله : إذا أردت أن تصحب أحدا في الله عز وجل فأسبغ وضوءك عند سكون الهمم ونوم العيون ثم أقبل على صلاتك تفتح باب الصلاة بطهورك، وباب ربك بصلاتك، ثم اسأله بعد فراغك : من أصحب؟ من الدليل؟ من المخبر عنك؟ من المفرد؟ من الخليفة؟ من النائب؟ هو كريم لا يخيب ظنك، لا شك يلهم قلبك، يوحي إلى سرك، يبين لك، يفتح الأبواب، تضيء لك الطريق فإذا اتحدت الجهات عند قلبك، وغلب الأمر على تعيين واحد، دونك واقصده.ص330.الفتح الرباني ، من كلام سيدي عبد القادر الجيلاني.
3.ثم بين للطالب الجاد أن المعايير الظاهرة لا تصلح للحكم على ولاية الله، قال : لا تنظر إلى فقره ونقصان نسبه، وإخلال حاله، ورثاتته، وقصور عبارته. فإن المعنى في باطنه لا في ظاهره، في بنيته لا على وجهه. ولا تبدأه بالكلام (إجلالا له) ولا تبد له حالا (أي لا تكشف أسراره) انتظر فائدته من ربه، هو الكاتب والأمر لغيره. هو سفير، هو المشار -أي الخادم- والطبق لغيره. هو المعبر والعبارة لغيره، فتقبل ما يفتح الله على لسانه.ص 330 نفس الصفحة، نفس الكتاب.
4.وقال يصف عطاء الله لأوليائه ونصره لهم: -إذا أراد الله عبدا لأمر هيأه له. هذا شيء يتعلق بالمعاني لا بالصور. إذا تم لعبد ما ذكرت صح زهده في الدنيا والآخرة- أي كان طلبه وجه الله فوق طلبه جزاء الآخرة لأن من أقبل الله تعالى عليه منحه خير الدنيا والآخرة- . تصير ذرته جبلا، قطرته بحرا، كوكبه قمرا، قمره شمسا، قليله كثيرا، محوه وجودا، فناؤه بقاء، تحركه ثباتا، تعلو شجرته وتشمخ إلى العرش وأصلها إلى الثرى. لا دنيا تملكه. فإذا تم هذا صلح هذا العبد للوقوف مع الخلق، والأخذ بأيديهم، وتخليصهم من بحر الدنيا. فإذا أراد الله بالعبد خيرا جعله دليلهم، وطبيبهم، ومؤدبهم، ومدربهم، وترجمانهم، وسانحهم، ومنحتهم، وسراجهم، وشمسهم-.ص 35 ،الفتح الرباني.
5.اصحب أرباب القلوب حتى يصير لك قلب. لا بد لك من شيخ حكيم عامل بحكم الله عز وجل يهذبك ويعلمك وينصحك.ص 105، الفتح الرباني.
6.يقول رضي الله عنه :-اتبع الشيوخ العلماء بالكتاب والسنة، العاملين بهما، وحسن الظن بهم، وتعلم منهم، وأحسن الأدب بين أيديهم، والعشرة معهم وقد أفلحت، إن لم تتبع الكتاب والسنة ولا الشيوخ العارفين بهما فما تفلح أبدا. ما سمعت من استغنى برأيه ضل ؟ هذب نفسك بصحبة من هو أعلم منك.ص 160، نفس الكتاب.
7.يقول رضيالله :- يا غلام ! ثم أمور باطنة لا تنكشف إلا بعد الوصول إلى الحق عز وجل، والقيام على بابه، ولقاء المفردين وهم المشايخ العارفون بالله الذاكرون الله كثيرا والنواب، والوقوف هناك. إذا ما صرت إلى باب الحق عز وجل، وأدمت الوقوف مع الأدب والإطراق الخشوع الدائم فتح الباب في وجه قلبك، وجذبه من جذب، وقربه من قرب، ونومه من نوم، وزفه من زف، وكحله من كحل، وحلاه من حلى، وفرحه من فرح، وآمنه من آمن، وحدثه من حدث، وكلمه من كلم-.ص162، نفس الكتاب
8.يقول الشيخ عبد السلام ياسين في كتاب المنهاج النبوي متحدثا عن الصحبة : (
وإنما ينفع الله عز وجل المؤمن الصادق الجاد في الإقبال على ربه أول ما ينفعه بصحبة رجل صالح، ولي مرشد، يقيضه له، ويقذف في قلبه حبه. ومتى كان المصحوب وليا لله حقا والصاحب صادقا في طلبه وجه الله ظهرت ثمرة الصحبة. قال رسول الله في ما رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح وقال فيه الترمذي: حديث حسن: الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل، والآيات والأحاديث المشيرة إلى الصحبة والحاثة عليها كثير، وكل تاريخ الإيمان يشهد بأن قلب الداعي إلى الله على بصيرة، نبيا كان أو وليا، هو النبع الروحي الذي اغترفت منه أجيال الصالحين بالصحبة، والملازمة، والمحبة، والتلمذة، والمخاللة.
وعلى قدر المصحوب إيمانا وإحسانا وولاية ينتفع الصاحب.).
د.خلاصة التأصيل:
يسعد القارئ المتشبت بصوفيته بمجرد ما يقر أ هذا التأصيل المبارك من الايات و الأحاديث النبوية المباركة و كلام بعض الصالحين كمولانا الفذ مولاي عبد القادر الجيلاني الذي اتفق على صلاحه السابقون و اللاحقون على و لايته ، ويزداد المرء سعادة حينما يكتشف ذالك الحس الصوفي النوراني الذي كان يتسم به قمر الأولياء في زمانه الشهيد الرباني حسن البنا قدس الله سره على رغم ماهو عليه الأخوان من الضياع الروحي التربوي في زماننا ، لكننا لا نحس بحجم ما نقرأه وما هي المسئولية الملقاة على عاتقنا في تجديد الرؤية لفعل التربية ، وفضائل التزكية على الهدي النبوي الراشد.
ها أنا الآن أتمتع بصوفيتي و انتسابي لنسبي التربوي ثم ما بعد ؟.
لا يضع المنتسب هذا السؤال لنفسه ، لما يجده من حلاوة ما يقرأه من الأحاديث الدالة على ضرورة حب الولي و أتباعه و البحث عنه رغم أنه غامض لا يشار أليه بالصابع ، وتقل كتبه و تنأى في جنازته دموع الأتباع و كثير مامه.؟.
فما أن أجد في كلام الله تعالى من الآيات التي تدل على الصحبة في نبعا النبوي أو الرباني الا و يطرح السؤال البديهي : اين الولي في زماننا؟.
كلمات مولانا عبد القادر الجيلاني واضحة لا يفهمها الا من كان له هم.
ومن الهم ما قتل ، وشرد باحثه ، وأبكى من وجده ، وأختلى بمن رضي بالجبال خلوة ، وأقعد من استحال وجود الأولياء فلزم قبورهم ، واوهم من بحث عنهم في الطرق المندرسة، فوجد الطين و الخرافات و الأدعياء و الرقصات لا المدد والنور و البركة .
فالصحبة كفعل يتم بين الصاحب و المصحوب عهد على بصيرة و اتباع على علم و استشراف لما يعطيه الله لأوليائه من العلم به.
نسال الله أن يرحمنا آمين
اللهم صل على سيدنا محمد و على آله وصحبه ، أما بعد
2.في الصحبة:
لا يمكن للمربي أن يتجاوز سقف بشريته ، فيستعبد الخلق بمجرد ما تثبث عند الناس خصوصيته ، وتبدو على وجهه نورانيته و قمر و لايته ، كما لا يجب على المريد أن يتجاوز سقف ولاية المصحوب ، فيزيد من عنده بحسب فهمه ما لم يرد عن الشيخ من فعل أو قول أو عمل ، أو يؤول بتلقاء نفسه رؤيا أو كرامة نسبت للشيخ.
ويزداد الأمر سوءا إن تجاوز المريد أس الولاية ، وألحق بشيخه ما يفوقها من الخصوصيات و السمات في المنازلات و المعاملات.كأن يدعي عليه مقاما لم يلمح اليه المربي ، أو أفعالا لم يرها سواه، فيقع فيما يسميه غالبية أهل الله - بكذب المريدين - وهي بحق سمة ومقام عصرنا بامتياز.
نسير إن شاء الله رفقة الإمام القشيري نصوصا و آثارا حول الصحبة ، وقد جاءت في الفصل الثاني في شرح المقامات أو مدارج أرباب السلوك ، و رتبها في مدرج الثاني الأربعين بعد أحكام السفر وقبل التوحيد.
وقد يخال القارئ من خلال قراءته للكتاب أنها حقا في المدرج نفسه ، لكنها تعد من أسس الطريق إن لم نقل لبه و جوهره.
عن ابن عمر رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا استوى على البعير خارجا إلى سفر كبرثلاثا ، ثم قال :- سبحان الذي سخر لنا هذا ، وما كنا له مقرنين ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون - ، ثم يقول : اللهم إنا نسألك من سفرنا هذا البر و التقوى ، ومن العمل ما ترضى ، وهون علينا سفرنا ، اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل والمال ، اللهم إنا نعوذ بك من و عثاء السفر ، و كآبة المنقلب ، و سوء المنظر في المال و الأهل.- فإذا رجع قالهن و زادهن : -آيبون ، تائبون ، لربنا حامدون-.
الحديث أخرجه مسلم رقم 1342 ، في الحج باب ما يقول أذا ركب الى سفر الحج و غيره ، و الترمذي رقم 3444 باب ما جاء ما يقول أذا ركب الدابة ، وأبو داوود رقم 2599 في الجهاد باب ما يقول الرجل أذا سافر.
لا شك ان السفر من دعائم الطريق ، لكن للكلمة مدلولها الحسي لمن أراد أن يفهم ، أن السفر انتقال من مكان الى مكان ، و عند أهل الله دلالة خاصة عن السفر الطويل في معارج الروح ابتداءا من الأزمة الوجودية التي تصيب العبد لخصوصيته ، وتنتهي في نهايات متعددة ، تبدا بلقيا الولي المأذون المربي ، ثم العزم على السلوك ، ثم تخلية العقل و الروح من شبهات الطريق و قواطعها الحسية و النفسية و العقلية و الكشفية ، ثم تحلية الروح باوصاف اهل الله ، والمزج في سرها بخصوصيات المربي ،ثم الدخول الى الحضرة النبوية و مبايعته عيانا كشفا ، ثم ولوج باب النور الأصلي المحمدي ، ثم ما لا يقبله العقل و الروح معا ، ثم لزوم الباب مع الأحباب.
وهنا يجد العبد ما لم يكن له ببال ، ولم يعهده ابدا في الحسبان.
يقول الشيخ المربي مولانا عبد السلام ياسين في المنهاج النبوي :
قال الله تعالى:" محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم"، سورة الحجرات. نقف مع كلمة معه، فبهذه المعية والصحبة كانوا رجالا. ونقف عند التراحم بينهم، فبتلك المحبة الرحيمة كانوا جماعة.
فلا غرو إن جعلنا الصحبة والجماعة أولى الخصال، فقد أتبع الله عز وجل في الآية بعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بذكر المعية له، فهي أولى صفات المؤمنين، في ذلك الزمان وفي هذا وفي سائر الأزمنة، والرحمة بينهم مرآة لتلك المعية، ومن كان مع رسول الله فهو مع الله، ومن بايع رسول الله فقد بايع الله، ومن أحب رسول الله فقد أحب الله.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كلما ارتحل في سفره: اللهم أنت الخليفة في الأهل والصاحب في السفر، فلقوة تعلقه صلى الله عليه وآله وسلم بربه عز وجل سرت من قلبه الطاهر مادة الإيمان إلى من صحبه، ثم امتدت الصحبة وراثة فكانت رحمة بين الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، تسري من قلب لقلب، ومن جيل لجيل، بالصحبة والمحبة والتلمذة. ).
يقول القشيري كرم الله وجهه في رسالته:
(.......و اعلم ان السفر على قسمين :
سفر بالبدن و هو انتقال من بقعة الى بقعة ، و سفر بالقلب وهو الأرتقاء من صفة الى صفة ، فترى الكثيرين يسافرون بأجسامهم و القلائل يسافرون بقلوبهم.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله تعالى يقول : كان في قرية بظاهر نيسابور شيخ من شيوخ الطائفة ، وله على لسانهم تصانيف ، ساله بعض الناس : هل سافرت أيها الشيخ ؟ ، فقال : سفر الأرض أم سفر السماء ؟ سفر الأرض فلا ، وسفر السماء بلى.
و سمعته رحمه الله يقول : جائني بعض الفقراء يوما وأنا بمرو فقال لي : قطعت إليك شقة بعيدة و المقصود لقاؤك ، فقلت له : كان يكفيك خطوة واحدة ، لو سافرت عن نفسك!).
ص 289.
كان السفر من أجل الصحبة سنة جارية ، وعملا محمودة ، وغاية المنى و المطلب ، الظفر بقبول الشيخ .
وانقلبت الأمور من أعاليها ألى سافلها ، وصار طلب الشيخ في زماننا عملة نادرة ، بل أمرا غير مرغوب فيه لعدة اسباب :
- كثرة ادعياء التربية من الشيوخ ، يرافق هذه الطامة حمق المريدين وكذبهم ، ووصف الشيخ بما لا يستحقه.
- قلة الشيوخ المربين ، وشروطهم الثقيلة أحيانا ، يوازي هذا الأمر الأحساس بالوجود الأستثنائي عند بعض المريدين و الغلو و لو بصدق في منا قب الشيخ ، وقلة الأدب مع غيره، ولو كان فضله واضحا للعيان.
- انسحاب بعض الصادقين من مهام التربية لفساد الزمان و شحهم في بث علوم القوم ، وهذا تحصيل حاصل حتى في بعض المنتديات فأن تحدثت بعمق عن بعض علوم القوم ، أمرك مراقبوه بان تلزم باب قلبك و تصمت.
و الحقيقة بكتاب الفتوحات المكية و فصوص الحكم ، وزد عليه ختم الأولياء ، وكتاب الأبريز من كلام عبد العزيز الدباغ ، كشف كل شيء فلم يبق هناك ما نستر ؟.
فلم هذا الخوف.؟
نقف مع كلام خاص للشيخ عبد السلام ياسين في مسالة الصحبة في المنهاج النبوي :
(.....فإذا أراد الله بجماعة المؤمنين رشدا قيض لها من أوليائه من يشد أواصرها بالصحبة المستمدة قوتها من القلوب، الواقفة على باب الله تطرق، تسترحم، تستفتح، تتضرع، تبكي شوقا ولهفة. كل ذلك والجوارح آخذة في تعبئة الجهود، والعقول منكبة على العلم النافع وإعداد ما أمرنا به من قوة الخبرة والتخطيط.).....الصحبة و الجماعة تربية.
لا شك أن المريد في حبه للولي المربي و طلبه له لابد أن يتسم بأمرين : فضيلة الحب الخالص لوجه الله ، و فضيلة العقل الجامع لأصول علم القوم ، أي ذالك الميزان الذي يجعل محبته لا تتجاوز الأفراط و التفريط.
في فقرة لاحقة نجد الشيخ عبد السلام ياسين يتحدث عن الأمام المربي المصحوب فيقول ..
روى الإمام البخاري عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال: لما طعن عمر جعل يألم، فقال له ابن عباس-رضي الله عنهما- وكأنه يجزعه يصبره ويسليه-: يا أمير المؤمنين! ولئن كان ذاك! أي لنفرض أنك مت من طعنتك هذه - لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض. ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض ثم صحبت صحبتهم -بفتحتين أي أصحابهم- فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون. قال -أي عمر-: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورضاه، فإنما ذاك من من الله تعالى من به علي. وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك من من الله جل ذكره من به علي. وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك. والله لو أن لي طلاع الأرض-أي ملئها-ذهبا لافتديت به من عذاب الله عز وجل قبل أن أراه!.
من حديث للبخاري أن عثمان رضي الله عنه قال: أما بعد فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالحق، فكنت ممن استجاب لله ولرسوله، وآمنت بما بعث به، وهاجرت الهجرتين كما قلت. وصحبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبايعته. فوالله ما عصيته ولا غششيته حتى توفاه الله، ثم أبو بكر مثله، ثم عمر مثله.
نرى أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ينزلون خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منزلته في حسن الصحبة والطاعة، ويرون رضا الأمير من رضا الله، لم تكن العلاقة بين أمير المؤمنين ورعيته علاقة سلطة فقط بل كانت علاقة كلية لا ينفصل فيها الحب والإخلاص عن الطاعة والامتثال.
فكان الأمير مصحوبا ترجى بركته، ورئيسا يطاع أمره. كانت طاعة أولي الأمر لاحقة بطاعة الله ورسوله منشقة منها، وكانت محبة الأمير من محبة الله ورسوله.
فالخلافة على منهاج النبوة لا تكون كذلك إلا إن ولي أمر المسلمين رجال توفر لهم التقوى والحظ من الله بقدر ما توفر لهم الغناء والكفاءة التنفيذية.
في مجتمعات الجاهلية والفتنة علاقات سلطوية على كل المستويات. في الإسلام تسبق الدعوة الدولة، فإن اجتمعت الدعوة والدولة في يد جماعة المؤمنين فالأمير مرب مصحوب، وظيفته التربوية لا تنفك عن وظيفته السلطوية، بل تستمد هذه من تلك وتتقوى بها، فإنما نطيع أولي الأمر منا لأن الله أمرنا بذلك. العقد الإماري لا بد منه فهو شرع، لكن طاعة الأمير وحسن صحبته وإجلاله وتوقيره عبادة. ).
المنهاج النبوي : الصحبة و الجماعة تنظيما.
اعتذر من الأخوة ، لكن أورد الفقرات في ترتيبها تأدبا مع الرجل الولي المربي ، ثم حرصا على أخوتي حتى يكون نقلي علميا أمينا ، ففي فهم الرجل لا تنفصل الجماعة عن الصحبة و الصحبة تفضي الى جماعة ، سواءا كانت الجماعة تعمل في الحقل العام أو طريقة صوفية تعمل في الشأن الخاص الفردي.
نجد ذاك الأدب العظيم عند عمر رضي الله عنه في صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم و رضي الله عن ابي بكر ، اول من انتقلت اليه تلك الرحمة النورانية فكان المربي و الخادم و النصير لأمة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم .
في أدب الصحبة عند القشيري وكما سنتدارسها في الفقرة المقبلة ذكر لآداب مهمة يجب أن تتوفر في طالب وجه الله.
وربما يجد القارئ نفسه انه استوفى الشروط في طلب الله تعالى و طلب صحبة من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد طلب بل لا بد من فهم قبلي قبل العمل ، و لابد من نظرة عامة عن حقل التربية و علومها و مستلزماتها ، لمن أرد يسلم في الطريق من آفات الجهل و المبالغة في أدعاء المقامات .
3.ما بعد التاصيل :
لا يمكن للفرد ان يعيش شانه الخاص ان لم يكن له معلم والد رحيم ، كما أن الولي المربي لايمكنه أن يستنكف عن توجيه الخلق و الدلالة على الله تعالى .
وفي الفقرة الموالية سنتحدث عن أدب الصحبة و شروطها في الصاحب و المصحوب.
نسال الله العافية آمين
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد و على آله وصحبه ، أما بعد
ليس بعد التأصيل لا أن نعرف ما معنى فعل الصحبة قبل أن نخوض في أدبها و في علاقة الصاحب بالمصحوب.
يستثنى من فعل الصحبة ، صحبة مجاذيب الغارقين في حضرة الله و جلاله ، التائهين في بحور المححبة لا يفرقون بين ليل ونهار ، فاستوى عندهم الحادث المتوهم فليس في رحابهم المثالي سوى المحبوب.
ولا يلج في فعل الصحبة كل باحث عن الخرق و الأستثناء في الوجود و الصفة ، فسرعان ما تضمحل فعل الصحبة لمجرد أول كشف ثم يكون الأستدراج.يمرح في مرايا الأحداث و الوقائع فيسلب حرارة التشوف لما هو أعلى و أكمل و أتم.
لا يجد الطالب لوجه اللهراحة الا لم يكن في كنف المربي المحسن الكامل للمعرفة و الجامع لفضائل العقل و القلب معا ، لايغلب سكره وشهوده وجوده المسئول الحاضر الحامل لمسئولة الأمة بتربيتها و صقل مواهبها لخدمة الله .
فعل الصحبة يبدأ بالأنتساب الى حوزة مباركة مأذونة من الحضرة النبوية و الألهية معا، يبحث عنها الطالب لوجه الله بعناء و يوفقه الله بحسب طلبه الى ولي مرشد عالم بخبايا النفوس ليطهره من خبث الدنيا.
في سنة التابع و المتبوع عبرة و أي عبرة ،
وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسلسل المدد القلبيِّ الفتحيِّ الحُبِّيِّ من بعده حين قال: "يأتي على الناس زمان يغزو فيه فِئَامٌ من الناس (جماعات) فيقولون: هل فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيُفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان، فيغزو فِئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم! فيُفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم! فيُفتح لهم". رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
بركة متسلسلة، وفلاح ونصر. وإن التابعين فَمَن بعدهم إلى يوم القيامة لتَشُم أرواحُهم نسيمَ الحب والقرب من عِشْرَة أصحاب القلوب النيرة الخيرة، وتحوم حولها، وتقتبس منها نوراً ومحبة ورَوْحاً. روى الإمام مالك في الموطإ بسند صحيح عن أبي إدريس الخولاني قال: "دخلت مسجد دمشق، فإذا فتى براقُ الثَّنايا، والناس حوله. فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه، وصدَروا عن رأيه. فسألت عنه، فقالوا: هذا معاذ بن جبل. فلما كان الغد هَجَّرْتُ. إليه، فوجدته قد سبقني في التهجير، ووجدته يصلي. فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قِبَل وجهه، فسلمت عليه، ثم قلت والله إني لأحبك في الله! فقال: آللّهِ! فقلت آللّه! فقال: آللّه! فقلت آللّه! فأخذ بحُبْوة ردائي، فَجَبذَني إليه وقال: أبْشِرْ! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في".
وكان أمناء الرسالة، ورثة الحب في الله المقرِّبِ إلى الله من بعد أصحاب رسول الله، أولياءَ الله الذين أحبهم الله بعدما تقربواإليه بالفرض والنفل حتى أكرمهم بذلك السمع والبصر واليد والرجل والسؤال المستجاب والإعاذة والقبول في الأرض. تابع ومتبوع بإسناد قلبي متّصل إلى يوم القيامة. ولا ولاية لك أيها الفقيه في الأحكام الظاهرة على هذا الموضوع لتتكلم فيه، وتُفْتي بأنه زعم مرفوض مرفوض مرفوض!.
اسمع الخبر الصحيح من نبيك صلى الله عليه وسلم عساك تهتدي وتقتدي.
هاك حديثا عظيما يثبت الله به قلوب من يشاء رواه ابن حبان في صحيحه، وروى الإمام أحمد وأبو يعلى والحاكم حديثا بمعناه وصححه. أعطيك رواية أبي داود للحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياءُ والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله". قالوا: يا رسول الله! تُخبرُنا من هم؟ قال: "هم قوم تَحابوا برُوح الله على غير أرْحام بينهم، ولا أموال يَتعاطونها. فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس". وقرأ هذه الآية:-أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ -.سورة يونس، الآية: 62
توقّف بعض العلماء في معنى هذا الحديث، لأنهم تعاظموا أن يكون الأنبياء يوم القيامة يغبطون من ليسوا أنبياء ولا شهداء بمكانتهم من الله. ولا مزاحمة في الأمر، وما ينبغي للولاية أن تزاحم النبوة. ينصرف الأنبياء إلى مواطن الشفاعة في أممهم يوم العرض، والشفاعة تشريف زائد، بينما يبقى الأولياء على منابر النور بالقرب الإلهي. فهي لحظة وموقف. ولا مزاحمة.
إنها سنة إلهية ماضية إلى يوم القيامة أن يكون في سلسلات الولاية تابع ومتبوع. قال الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله روحه: "إن الله عز وجل أجرى العادة بأن يكون في الأرض شيخ ومريد، صاحب ومصحوب، تابع ومتبوع من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة". وذكر رحمه الله كيف كان آدم بعد نزوله من الجنة محتاجا إلى شيخ، "وجبريل عليه السلام أستاذه وشيخه،(...) ثم هلم جرّاً، تعلم شيت بن آدم من أبيه آدم، ثم أولاده منه، وكذلك نوح النبي عليه السلام علم أولاده، وإبراهيم عليه السلام علم أولاده، قال تعالى: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ -سورة البقرة، الآية: 131أي أمرهم وعلمهم، وكذلك موسى وهارون، علما أولادهما وبني إسرائيل، وعيسى عليه السلام علم الحواريين. ثم إن جبريل عليه السلام علم نبينا صلى الله عليه وسلم(...) ثم تعلم الصحابة رضي الله عنهم منه صلى الله عليه وسلم، ثم التابعون منهم، ثم تابعو التابعين منهم قرنا بعد قرن، وعصرا بعد عصر(...) فلا ينبغي له (المريد) أن ينقطع عن الشيخ حتى يستغني عنه بالوصول إلى ربه عز وجل، فيتولى تبارك وتعالى تربيته، ويوقفه على معاني أشياء خفيت على الشيخ، ويستعمله فيما يشاء من الأعمال، ويأمره، وينهاه، ويبسطه، ويقبضه، ويُغنيه، ويُفقره، ويُلقنه، ويُطلعه على أقسامه (ما قسم له من رزق) وما سيؤول إليه أمره. فيستغني بربه عن غيره".
نصحوك! نصحوك! وعلموك إن كنت موضعا للتعليم. واصبر حتى أسَمِّعَك ما يقصدون بالوصول والأمر والنهي بعد زمان الوحي، والبسط والقبض، والاستغناء بالربِّ وسائر هذه المعاني الرقيقة الراقية.
في أي شيء كان الصحابة رضي الله عنهم الذين ورثوا الإيمان، وعُلموه قبْلَ القرآن، وأوتُوه بالصحبة والمحبة؟ وفي أي شيء كان الأولياء المشايخ الصوفية أهلُ النور الذين حملوا عصرآ بعد عصر وقرنا بعد قرن أمانةَ الرسل، وسرَّ طبِّ القلوب، وإكسيرَ علاجها، وجُرثومة إحيائها؟.
كان الصحابة رضي الله عنهم في جهاد الذلة على المؤمنين والشدة على الكافرين والإنابة لرب العالمين. وانْحَسر السادة الأماجد النورانيون من بعدهم عن الميدان الجهادي، جلُّهم لا كلُّهم، فكانوا أحلاس بيوتهم، فرغوا من الشأن العام ليتفرغوا لشأن التربية الخاص.
منذ زمان التابعين، وفي عصرنا بصفة خاصة، غلب اسم "عالم" على عقول المسلمين، وحمل الاِسمَ أغزرُ الناس اطلاعا وأكثرُهم جمعا للمعلومات، وأقدرُهم على الإفصاح والخطابة. وانعزل "العارف" الرباني في حيزه، "وأصبح علم الآخرة مطويا"، يبحث عنه الراغبون المريدون بشروط أهمها الانزواء عن العامة.
المطلوب الآن وبعد الآن استجماع ما تفرق بعد زمان الصحابة، واكتساب الشخصية الجهادية الصحابيَّة، واستصحاب ما ترثه أجيالنا من علماء الدين الأولين والآخرين استئناساً به لا عبئا ثقيلا، اجتهادا نستضيء به نحن لنقول كلمتَنا من إزاء القرآن ومن مشارف الصحبة. من أهم ما يُجْلِي عنا سحابَ الفتنة وينفُض عنا غبارَ التقليد القرونيِّ اقتباسُنا لما عند رجال الله أولياء الله من كنوز "الخوف والحزن والتفكر والمجاهدة ومراقبة الظاهر والباطن، واجتنابُ دقيق الإثم وجليله، والحرصُ على إدراك خفايا شهوات النفوس ومكايد الشيطان، إلى غير ذلك من علوم الباطن".
بعد عهد الصحابة "هبَّت عاصفة عقلية جامحة بعثها "علم الكلام"، الذي كان الشغلَ الشاغل للمسلمين في القرون الأخيرة. وكانت هذه العاصفة عاتية شديدة، انطفأت بها كوانين القلوب ومجامرها. وإذا كانت لا تزال بقية من جمرات الحب والعاطفة فقد كانت كامنة في الرماد، مغلوبة على أمرها. وقد أصبح المسلمون بعدما كانوا شعلة من الحياة وجذوة من النار رُكاما بشريا أو فحما حجريا بَعُدَ عهده بالنار والحرارة.
من تحت الرماد نقْتبس الجذوة الحُبيَّة، لا مناصَ من أخذ جَوهر ديننا عن الأكابر أهل المعرفة والنور وإن محاولة تخطي عصور الرُّكام قفزاً بلا زاد قلبيٍّ يؤصل نسبتنا للنبوة والصحبة لَمغامرة في فضاء الإسلام الفكري الثقافي إلى غير وِجهةٍ. قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: "اصحبوا شيخا عالما بحكم الله عز وجل وعلمه يدلكم عليه. من لا يرى المفلح لا يُفلح! من لا يصحب العلماء العمال فهو من نَبْضِ التراب لا أب له ولا أم. اصحبوا من له صحبة مع الحق عز وجل.
من لا أب له ولا أم في الربانية والحب في الله صحبته نَكَدٌ.- مقتبس من كتاب الأحسان، خصلة الصحبة و الجماعة.
بمجرد ما يقف الطالب لوجه الله أمام الولي المربي ، تنتابه دهشة و حيرة ، أيوجد في زماني هذا و لي مرب ؟.
لا يصدق ما يراه من بشرية ، وتخذعه احيانا عيناه ، و لايسمع ما يقوله الرجل الصالح في مسألة الأتباع.
و لأتباع شرط الأنقياد .
متى يولد القلب ؟ يقول مولانا عبد السلام ياسين في كتاب الأحسان :-
موتى هم أكثر من في الأرض، على رَشْحَةٍ من حياة هو المسلم الغارق في لُجَّةِ الدنيا، على رجاء في الحياة الآخرة هو المؤمن الذي تاب وعمل صالحا. الأحياء عند ربهم هم الشهداء قتلوا في سبيل الله. وللأولياء حياة مثلها معجَّلةٌ قبل مفارقة الروح الجسد. لهم ميلاد قلبيٌّ ووجود جديد. على هذا شُدَّ يَدَكَ. واعلم أن الشيخ الكامل أبٌ لروحك إن عثرت عليه وأحبَبْته وصحبته وكان لك عنده من الله وديعةٌ سبقت إليك بها الحسنى من المنعم المتفضل الوهاب سبحانه. كل ما سمعته من أن الشيخ كإمام الصلاة أو بمثابة طبيب مرشد يمكن أن يطابق حال طالب الاستقامة، يتمسح بشيخ على مَسْحَةٍ من صلاح، يتمسح قبرٌ بقبرٍ، يسيرُ ميِّتٌ في جنازة ميت.
على هذا شُدَّ يَدَكَ، ودعهم يرمونك عن قوس واحدة ويَسْلِقُونَكَ بألسنة حدادٍ : ما هذا الهراء ! اقرأ لنفسك قول الله تعالى:- أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا-،سورة الأنعام، الآية: 122.واقرأ عليهم قوله عز من قائل: -إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ .-سورة النمل، الآية: 80 ،قُلِ اللّهُ، ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ -،سورة الأنعام، الآية: 91.
ويا حسرتا على من يستخفّ بكلام الرجال، يفنون عمرهم في تحقيق الطريق ليُدْلوا لك بشهادتهم ويقدموا لك النصح الخالص على طبق! يا حسرتا على من لم يسمع! ويا حسرتا على من لم يذق! ويا حسرتا على من لم يشمَّ حتى الرائحة لأنه استغشى ثيابه لمّا جاءته كلمة النصح، وجدها مرة. أزُفُّ لغير هذا الميت، فما لجُرْحٍ بميِّت إيلامٌ، كلمةَ أسَفٍ من ابن القيم ناصحك ووامقك. قال: "فوا أسفاه! وا حسرتاه! كيف ينقضي الزمان، وينفد العمر والقلب محجوب، ما شمَّ لهذا رائحة. وخرج من الدنيا كما دخل إليها وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيشة البهائم، وانتقل منها انتقال المفاليس. فكانت حياته عجزاً، وموته كمداً، ومعاده حسرةً. وا أسفا! اللهم فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التُكْلان، ولا حول ولا قوة إلاّ بك".
ذبح القوم نفوسَهم، ووطئوا بالأقدام شهواتهم وأنانيَّتَهم، وصلّوْا على الدنيا صلاة الجنازة، وجاءوا حبواً على الركب ليلْقَوا رجلا يعطف، ويؤوي، ويتعهد الزرع، ويسقي الريحان القلبي إذا تفتح، ويمشط العروس ويطيب ويبخر، ويستقبل المولود ويرضع ويفطم ويغذو.
هل بوسعك أن تذبح نفسك وهواك وأنانيتك هذه الذبحة لتجد رَوْحَ الشهادة في سبيل الله إن فاتتك الشهادة في صف القتال؟ "تميتها فلا يبقى لها عندك من القدر شيءٌ، فلا تغضَب لها، ولا ترضى عنها، ولا تنتصر لها، ولا تنتقم لها. قد سَبَّلْتَ عِرْضَها ليوم فاقتها وفقرها، فهي أهون عليك من أن تنتصر لها". وإنما تنتصر لله، وتغضب لله ثم يقول صاحب هذا الكلام، ابن القيم رحمه الله: "وهذا وإن كان ذبحا لها وإماتة عن طباعها وأخلاقها، فهو عين حياتها وصحتها، ولا حياة لها بدون هذا البتَّةَ. وهذه العقبة هي آخر عقبة يُشرف منها على منازل المقرَّبين، وينحدر منها إلى وادي البقاء ويشرب من عين الحياة، ويخلِّصُ رُوحه من سجون المحن والبلاء، وأسر الشهوات، وتتعلق بمعبودها وربِّها ومولاها الحقِّ. فيا قرة عينها به ! ويا نَعيمَها وسرورها بقربه ! ويا بهجتَها بالخلاص من عدوها!(…) وهذا الزهد (في النفس) هو أول مهر الحب، فيا مُفلسُ تَاجِرْ!".
هذا هو المَهْرُ، تتقدم به إلى والدك الرّوحي ليتاجِرَ لك في قضيتك، ويخطب لك، ويَجْلُوَ لك العروس، ويشرِف على الميلاد السعيد.
لا تظنَّ أخي أنّ القوم يُنَمِّقون العبارات، ويتجاوزون حدود الاستعارة والمجاز ليحلِّقوافي سماء الخيال معبِّرين عن مواجيد غامضةٍ. أولئك أصحاب الشّطحْ حين تجمح بهم الحقائق. أما مسألة الميلاد القلبي والوجود الجديد والفناءِ بعدَه البقاءُ ورضاع الوليد وفطامه وتربيته فهي مراحل للنشأة الآخرة التي ينشئها الله عباده بعد مفارقة الروح الجسد، يعجلها سبحانه لأوليائه تعجيل تشريف وتكريم ليكونوا على بصيرة يستبشر بعضهم بما آتاهم الله من فضله في خاصة نفسه، ويتصدّى فحول الكُمَّل للإشراف على تربية جنين من جاء بالمَهر وأخلص لوجه الله الطلب والإرادة والهمة.
قال: الإمام أبو النجيب السهروردي في كتاب "عوارف المعارف"، وهو من أئمة القوم رضي الله عنهم، غير السهروردي المقتول الفيلسوف الزنديق. قال: "وبما هيأ الله تعالى من حسن التأليف بين الصاحب والمصحوب، يصير المريد جُزْءَ الشيخ كما أن الولد جُزْءَ الوالد في الولادة الطبيعية. وتصير هذه الولادة آنفا ولادة معنوية".
بهذا الميلاد المعنوي يُدخِل المريدَ عالم الملكوت مع رفاقه وَلِدَاتِه وإخوتِه في الشيخ، إخوته في الله. قال: "والمشايخ منهم من يكثر أولاده ويأخذون عنه العلوم والأحوال ويُودِعُونَها غَيْرَهم كما وصلت إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة الصحبة. ومنهم من تقل أولاده. ومنهم من ينقطع نسله".
قال قدس الله سره: "الولادة الظاهرة يَطرُق إليها الفناء، والولادة المعنوية مَحْميَّة من الفناء(...). فتبين أن الشيخ هو الأب معنى". وكان الشيخ أبو النجيب يقول: "ولدي من سلك طريقي واهتدى بهديي".
ويفصل الإمام بعد هذا مراتب الشيوخ: أولها: "السالك المجرَّدُ الذي لا يؤهل للمشيخة ولا يبلغها لبقاء صفات نفسه عليه. فيقف عند حظه من رحمة الله تعالى في مقام المعاملة". هذا رجل صالح لم يذبح نفسه ولم تُجْلَ عروسه، ولم يولد جنينُه. المرتبة الثانية مرتبة المجذوب الذي تَخْطَفُه يد القدرة عن وجوده. وقد يسيح في الأرض ويقول الناس: مجنون! هذا، "يُبادئه الحق بآيات اليقين، ويرفع عن قلبه شيئا من الحجاب، ولا يؤاخذ في طريق المعاملة". هذا مُوَلَّه في ربِّه لا حاجة له بشيخ، وهو من"صبيان الحضرة"، من الأطفال الأبديين. المرتبة الثالثة مرتبة "السالك الذي تُدُورِكَ بالجَذْبة". ثم المرتبة الرابعة مرتبة "المجذوب المتدارك بالسلوك"، "يرتوي من بحر الحال ويتخلَّص من الأغلال والأعلال".
وأعلى المراتب مرتبة المراد المحبوب المقرَّب "الذي أهل للمشيخة، سلم قلبُه، وانشرح صدره، ولان جلدُه فصار قلبه بطبع الروح، ونفسه بطبع القلب. ولانت النفس بعد أن كانت أمارة بالسوء مستعصية. ولان الجلد للين النفس". ويقبله الحق عز وجل حتى يتحرر "ويصير حرّا من كل وجه".
قال رحمه الله: "واعلم أن مع الشيوخ أوان ارتضاع وأوان فطامٍ، وقد سبق شرح الولادة المعنوية. فأوان الارتضاع أوان لزوم الصحبة. والشيخ يعلم وقت ذلك(...). فلا يأذن الشيخ للمريد في المفارقة إلا بعد علمه بأن آن له أوان الفطام(...) ومتى فارق قبل أوان الفطام يناله من الأعلال في الطريق بالرجوع إلى الدنيا ومتابعة الهوى ما ينال المفطوم لغير أوانه في الولادة الطبيعية".
قال: "الطالب الصادق إذا دخل في صحبة الشيخ، وسلَّم نفسه، وصار كالولد الصغير مع الوالد، يربيه الشيخ بالعلم المستمَدِّ من الله تعالى بصدق الافتقار". وعندئذ يصبح له وجود جديد. قال رحمه الله: "وهذا الوجود موهوب مُنَشَّأٌ إنشاءً ثانيا للمتمكن في مقام الصحو. وهو غير الوجود الذي يتلاشى عند لمعان نور المشاهدة، لمن جاز على ممر الفناء إلى مَقَارِّ البقاء".
عن هذا الوجود يقول ابن القيم المتحسِّر عليك يا من تُسَمَّعُ ولا تَسمع: "فإن اللفظ لملوم، والعبارة فتانة(...). يذهب العبد عن إدراكه بحالِه لما قهره من هذه الأمور. فيبقى بوجود آخر غيرِ وجودِه الطبيعيِّ. ولا أظنك تصدق بهذا. وأنه يصير له وجود آخر! وتقول هذا خيال ووهم! فلا تعجل إنكار مالم تحط بعلمه، فضلا عن ذوقِ حاله، وأعط القوس بارِيَها، وخل المطايا وحاديَها".
ويسأل المنكر: ما الدليل؟ فيجيب العالم العامل الجهبذ ولي الله تعالى: "إن طالب الدليل إنما يطلبه ليصل به إلى معرفة المدلول. فإذا كان مشاهداً للمدلول، فما له ولطلب الدليل.
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النّهار إلى الدليل.
فكيف يحتاج إلى إقامة الدليل على من النهار بعض آياته الدّالة عليه؟".
القوم لا يقرّرون للعقل أدلّة المنطق لأنهم لا يضعون أنفسهم معك في موضع الجدال. إنما ينبسطون إليك مشافهة وكتابة ليخبروك بواقع، ويشهدوا لديك، ويبشِّروك، ويستنهضوك ومن آلاف آلاف الشاكِّين والمشككين واللاهين الغافلين الغرقى واحد يجد الوديعة، ويُسْهِر لياليَه الخَبَرُ، ويؤرقه وقع الشهادة، ويقبل البشرى، وينهض يبحث عن أبوّة روحيّة.
هل عند المعترضين تحت لافتات السلفية المقلدين ما يفسرون به تصريح عظماء الرجال في شأن الولادة والأبوة الروحية؟ هذا نص آخر نقدمه إليهم عسى الله أن يعفو عنا وعنهم. قال ابن القيم رحمه الله: "سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يذكر ذلك (أي مرتبة الوجود الثاني التي هي أعلى مراتب الإحسان) ويفسره بأن الولادة نوعان: إحداهما هذه المعروفةُ، والثانية ولادة القلب والروح وخروجهما من مَشِيمَةِ النفس وظلمة الطبع. قال ابن تيمية: وهذه الولادة لما كانت بسبب الرسول كان كالأب للمؤمنين(…) قال: فالشيخ والمعلم والمؤدب أب الروح. والوالد أب الجسم".
قلت: وهذا توسيع وتعويم للمعنى الدقيق الرقيق الذي يعرفه القوم، ويطل عليه العلماء العاملون أولياء الله على "قدرهم المشترك".
الشيخ الكامل الوالد المربي مراد أهل الله، وغايةُ مناهم. قال السهروردي رحمه الله: "الشيخ المطلَق، والعارف المحقِّق، والمحبوب المعتَّق نظره دواءٌ، وكلامه شفاء. بالله ينطق. وبالله يسكت. كما وَرد: لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه(...) الحديث. فالشيخ يعطي بالله، ويمنع بالله".
على مثل هذا شُدَّ يدك إن ظفرت به، وازهد في الدنيا ومن فيها. قال المشفق المحب ابن القيم: "لا ريب أن عيش المشتاق مُنغَّصٌ حتى يلقى محبوبَه. فهناك تَقرّ عينه، ويزول عن عيشه تنغيصه. وكذلك يزهد في الخلق غايةَ الزهد لأن صاحبه طالب للأنس بالله والقرب منه. فهو أزهد شيء في الخَلْق إلا من أعانه على المطلوب منهم، وأوصله إليه. فهو أحب خلق الله إليه. ولا يأنسُ من الخلق بغيره، ولا يسكن إلى سواه. فعليك بطلب هذا الرفيق جُهْدَك. فإن لم تظفر به فاتخذ الله صاحبا ودع الناس كلهم جانبا".
أقول: إن لم تظفر به فالجأ إلى باب المولى الهادي ليهديك إليه، ويدلّك على الدالِّ عليه. لا تكن قبوريا تتردّد على أضرحة الأولين، تتمسح بالأشباح الخاوية أشباح المتطفلين المتقولين. في أهل عصرك طلبتك، فيا ربِّ من الدليل عليك؟.
بعد و لادة القلب ، تأي مسألة التسليم ببركة الشيخ و الأنقياد له و بيعته ، يقول الشيخ عبد السلام ياسين في كتاب الأحسان:-
تحت هذا العنوان كتب الشيخ سعيد حوى في كتابه "تربيتنا الروحية" يذكر أهمية الشيخ ووظيفته الأساسية في قضية التربية. كان كتابه هذا فاتحة مؤلفات له خصصها للحديث عن التربية الروحية، يزداد فيها حَثُّه على الرجوع إلى "تصوف محرر" كتابا بعد كتاب. أعلن في كتابه الأول أنه تتلمذ للصوفية، فهو يكتب في الموضوع عن تجربة. وأوضح حرصه الكبير على "أن يوجد نوع من التصوف السلفي له شيوخه وحلقاته"، وأن الحركة الإسلامية المعاصرة بحاجة إلى هذه التربية المعمَّقة لمواجهة عصر الشهوات، وأن التعاون بين هذه الحركة وبين المشايخ الصوفية أمر ضروري "لتزداد الصلات الطيبة بين الناس. ولتكثر حلقات الخير والعاملون لها، ولكن على أن يكون ذلك كله مستقيما على أصول الشريعة وفروعها، وألا يكون على حساب واجبات أخرى".
في الكتب اللاحقة عرض الشيخ سعيد غفر الله لنا وله ورحمه المشكل في تفاصيله، وهو كيف يستعيد "الإخوان المسلمون" وسائر العاملين في الدعوة روحانية الجماعة التي كانت أساس عمل الإمام البنا رحمه الله دون أن يكون ذلك على حساب واجبات أخرى.
هذه "الواجبات الأخرى" واجبات التحرك السياسي، والتكوين الفكري، والتفرغ التنظيمي ردت التربية الرو
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمرالحسني



عدد المساهمات : 37
تاريخ التسجيل : 27/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: دراسات في التصوف ، في الصحبة و الصاحب و المصحوب:   الثلاثاء أكتوبر 26, 2010 6:54 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
يتكلم أهل الله عن الشوق.ويعتبرونه من دعائم الطريق.فمن احب لقاء الله أحب الله لقاءه.
وقد ترك الله لنا بابا عظيما في العبادة ،وجعلها طريقا للتقرب اليه و هي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.صلاة تورثنا حبه و الوصل به و الفناء في ذاته النورانية بالتبعية ثم الموافقة و السير و الأحتذاء حذوه.
صلاة تجعل أرواحنا تهيم في رحمانيته و رأفته و حنانه ، فتسكب بالأثر تلك الرحمة و الرافة بخلق الله و عباده، فتورثنا تلك النورانية النسبة اليه صلى الله عليه وسلم،ومن ثم سلوكا هينا سمحا منوط به صلى الله عليه وسلم فهو الواسط والموسوط صلى الله عليه وسلم.
نقف مع أشواق من سبقونا اليه صلى الله عليه وسلم.فعن القاضي الشهيد ،عن العذري،عن الرازي ،عن الجلودي ،عن سفيان عن مسلم،عن قتيبة ،عن يعقوب ابن عبد الرحمن ،عن سهيل عن أبيه ،عن ابي هريرة رضي الله عنه قال :ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي،يود أحدهم لو رآني بأهله و ماله".رواه مسلم،كتاب صفة الجنة و نعيمها و أهلها .باب فيمن يود رؤية النبي صلى الله عليه وسلم.الحديث رقم 2832.
وعن عبدة بنت خالد ابن معدان قالت :-ماكان خالد ياوي الى فراش الا و هو يذكر من شوقه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم والى أصحابه من المهاجرين ويسميهم و يقول:هم أصلي و فصلي ،واليهم يحن قلبي ،طال شوقي اليهم،فعجل ربي قبضي اليك حتى يغلبه النوم.
وعن ابن اسحاق ان امرأة من الأنصار قتل ابوها و أخوها و زوجها يوم احد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت :مافعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟قالوا:بخير ،هو بحمد الله كما تحبين،قالت :أرونيه حتى أنظر اليه.فلما رأته صلى الله عليه وسلم قالت:كل مصيبة بعدك جلل.
وسئل مولانا علي ابن ابي طالب كرم الله وجهه :كيف كان حبكم للنبي صلى الله عليه وسلم؟قال عليه السلام:è-كان أحب الينا من أموالنا و أولادنا و آبائنا و أمهاتنا ،ومن الماء البارد على الظمأ.
وعن زيد ابن أسلم :خرج عمر رضي الله عنه ليلة يحرس الناس ،فراى مصباحا في بيت ، وأذا عجوزا تنفش صوفا، و تقول :
على محمد صلاة الأبرار...........صلى عليه الطيبون الأخيار.
قد كنت قواما بكا بالأسحار.......ياليت شعري و المنايا أطوار.
.................هل تجمعني و حبيبي الدار....
تعني النبي صلى الله عليه وسلم فبكى عمر رضي الله عنه.
و يروى عن امراة قالت لعائشة رضي الله عنها :اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم فكشفته لها فبكت حتى ماتت.
و لما أخرج أهل مكة الصحابي الجليل زيد بن الدثنة من الحرم ليقتلوه قال ابو سفيان بن حرب :"انشدك بالله يازيد ،أتحب ان محمدا الآن عندنا مكانك تضرب عنقه ،وانك في أهلاك؟
فقال زيد رضي الله عنه:والله ما أحب ان محمدا الآن في مكانه الذي هو فيعه تصيبه شوكة واني جالس في أهلي.
فقال ابو سفيان:مارأيت من الناس أحدا يحب أحدا كما يحب أصحاب محمد محمدا."
صلى الله عليه وسلم.


كلمة جامعة قالها سيف الله المسلول و هو يصف نسبته الى النبي صلى الله عليه وسلم و أصحابه ،فهم أصل حياته و موته، فلا ينساهم في ساحة الجهاد و لاحتى و هو يخلد الى النوم.
كان نور ذاته قد ملئت بتلك المحبة التي ان تمكنت من القلب و الروح أثمرت عملا دائما و راحة في سلوك الطريق.
فكانت شعب الأيمان تجد الموطن و منبع الخير ، و المحل الطيب حتى تثمر أعمالا و اتباعا لأدق التفاصيل في الحياة اليومية.
تلك النسبة التي تجعل المؤمن ينتسب الى السلسلة النورانية بالعمل الصالح، و الأتباع.
فمن أحب أهل الله كان معهم.
فكيف بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.


بتلك المحبة الرحيمة كانوا رجالا ، وبها سلكوا الطريق.
افتدوه صلى الله عليه وسلم بالمال والنغس و ما توانوا في ذلك.
فكل المصائب تهون الا ان يصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.او جسده او أهله ،وحتى من يحب صلى الله عليه وسلم من قريب او بعيد.
وكانت آثار محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم بادية في وجوههم وأبدانهم.
منهم من حماه في غزوة أحد صلى الله عليه وسلم طلحة رضي الله عنه فوجدت في جسده اكثر من سبعين طعنة رمح وسهم.
كل مصيبة بعدك ياسيدي تهون؟
وليس مصيبة أكثر ممن تمادوا في بشريتك حتى استنقصوا من حضرتك صلى الله عليك وسلم.
فالتوسل بك بدعة .
و التقرب منك بالحرم المدني و اللوذ بك بدعة.
.....الخ....
هذه هي مصيبتنا فاللهم ارفع الغشاوة على اعينهم حتى يبصروا قدرك ونورك وشخصك وذاتك ثم نورك الأصلي الأزلي ولو نظروا اليك لعميت أبصارهم و انت البجل المعظم والسيد صلى الله عليك وسلم.
تجديد معنى الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم هي نبراس كل محب .
فجدد اللهم فينا معنى الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم حتى ننظر اليه في الدنيا قبل الآخرة آمين.


لايسلم احد من الضعف في الطريق،فقد يفتر و يتكاسل،فيصيبه الحر ، حر النفس ونارها و الهوى و سلطانه ،والشيطان و غلوائه ، وأمال الحرب المعلنة عن النقائص الذاتية ، ليس من سبيل من القوة الا اللوذ به صلى الله عليه وسلم،فيسقي التائه العطشان و يقويه بفضل الصلاة عليه صلى الله عليعه وسلم ، فيقدر على سلوك الطريق بيسر بشرط المحبة.
و قد اختلف الناس في تفسير المحبة ،فقال سفيان الثوري رضي الله عنه:المحبة اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقال آخر:محبة الرسول صلى الله عليه وسلم اعتقاد نصرته ،و الذيب عن سنته صلى الله عليه وسلم،و الأنقياد لها ،و هيبة مخالفته.
وقال آخر:أيثار المحبوب.
وقال بعضهم :المحبة مواطأة القلب لمراد الرب ،يحب ما أحب ،ويكره ماكره.
وغيرها من الأقوال.
وقال عروةبن مسعود حين وجهته قريش عام القضية الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ورأى من تعظيم أصحابه مارأى ،و أنه لا يتوضأ صلى الله عليه وسلمالا ابتدروا وضوءه،وكادوا يقتتلون عليه،و لايبصق بصاقا ،ولايتنخم نخامة الا تلقوها بأكفهم فدلكوا بهه وجوههم و أجسادهم ،و لا تسقط شعرة الا ابتدروها ،واذا امرهم بأمر ابتدروا أمره،واذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده،وما يحدون النظر اليه تعظيما له.
فلما رجع الى قريش قال:"يامعشر قريش،اني جئت كسرى في ملكه،و قيصر في ملكه ،و الانجاشي في ملكه،و اني و الله مارأيت ملكا في قوم قط مثل محمد(صلى الله عليه وسلم)في أصحابه.
وفي رواية:"ان رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه مايعظم محمدا(صلى الله عليه وسلم)أصحابه ، وقد رأيت قوما لايسلمونه أحدا."
صلى الله عليه وسلم وعلى آله.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمي 1."هم أصلي و فصلي" 2."كل مصيبة بعدك جلل": 3."ومن الماء البارد على الظمأ":






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
محمد يحيى
الادارة
الادارة
avatar

عدد المساهمات : 313
تاريخ التسجيل : 31/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: دراسات في التصوف ، في الصحبة و الصاحب و المصحوب:   الثلاثاء أكتوبر 26, 2010 6:56 pm

بارك الله فيكم أخى الكريم
عمر الحسنى ونفع بكم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمرالحسني



عدد المساهمات : 37
تاريخ التسجيل : 27/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: دراسات في التصوف ، في الصحبة و الصاحب و المصحوب:   الخميس نوفمبر 24, 2011 9:00 am

وبارك الله في مروركم سيدي
و نفع الله بكم جميع أهل الله
اللهم آمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
دراسات في التصوف ، في الصحبة و الصاحب و المصحوب:
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الساده الكتانيين :: المنتدى الخاص :: علوم ودراسات صوفيه-
انتقل الى: