منتدى الساده الكتانيين
عزيزى الزائر/ عزيزتى الزائرة
يرجى التكرم بتسجيل الدخول ان كنت عضو فى المنتدى أو التسجيل ان كنت ترغب فى الانضمام الى اسرة المنتدى وشكرا
ادارة منتدى السادة الكتانيين

منتدى الساده الكتانيين

ساحه للتصوف الشرعى السلفى على منهج الامام محمد بن عبد الكبير الكتانى
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 كتاب التفريد في علم التوحيد تأليف العارف بالله تعالى سيدي نور الدين أبي الحسن علي بن خليل المرصفي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد ذوالفقار
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد المساهمات : 988
تاريخ التسجيل : 27/01/2009

مُساهمةموضوع: كتاب التفريد في علم التوحيد تأليف العارف بالله تعالى سيدي نور الدين أبي الحسن علي بن خليل المرصفي   الأحد فبراير 15, 2009 5:04 am

تأليف سيدنا ومولانا الشيخ الإمام، العالم، العلامة، القدوة، مربي المريدين، ومرشد السالكين، وموصل الطالبين الصادقين لربِّ العالمين، شيخ مشايخ الطريقة ومعدن الحقيقة، بحر الورود ونقطة دائرة الوجود، العارف بالله تعالى سيدي نور الدين أبي الحسن علي بن خليل المرصفي المدني[تـ930هـ] نفع الله به وببركاته المسلمين آمين



يا فتاح أقفال القلوب يا وهّاب.

الحمد لله الذي جعل كلمة التوحيد لقائلها حصنا حصين، وخلَّص بها نفوسهم من كدورة الطبع وكثافة الطين، وكشف بها
عن قلوبهم ظلمة الأغيار وأنارها بنور الإيمان واليقين، ورقّى بها أرواحهم إلى أعلى مراتب الملكوتيين، وحسم بها عن أسرارهم مادة المُزاحمين، فوصلوا بها إلى غايات مقامات المقربين؛

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا معين، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله سيد النبيين وإمام المرسلين، الذي قال ـ وهو في قوله أصدق القائلين ـ: « أفضل ما قلتُ: كلمة التوحيد، أنا ومن قبلي من النبيين» . صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه السادة الطاهرين وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد؛ فقد سألني بعض الفضلاء من أئمة الدين عن معنى كلمة التوحيد، وما مراد قائلها بها ليكون بمعرفة عقيدة قائلها على يقين؛ لأنها تشتمل على نفيٍ وإثباتٍ، والمنفيُّ منفيٌّ، والمثبَتُ مُثبَتٌ، فماذا يَنفِي النّافي وماذا يُثبِتُ المُثبِت؟
فقلت ـ وبالله المستعان ـ:

اعلم ـ وفقنا الله وإياك للصواب ـ أنّ الإنسان مُركَّب من أربع عناصر، وهي الماء والهواء والنار والتراب، ويعضدها أيضا أربعة أغيار، وهي النفس والشيطان والدنيا والهوى، وهنّ مشوبات بأحوالٍ وأعراضٍ وأغراضٍ وأمراض، ولذلك سُمُّوا آلهات؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾ [الجاثية:23]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الخَمِيصَةِ » ، فكلمة «لا إله إلا الله» عبارة على أنها مِكنَسَة تَقُمُّ غبار الأغيار عن القلوب والأسرار؛ لتصلح أن تكون عرشًا لتجلِّي الحقِّ عليها ومَحلاًّ لنظره إليها، كما ورد في بعض الأخبار عن الله عز وجل: «يا داود طهر لي بيتًا أسكنه، لا يسعني أرضي ولا سمائي، وسعني قلب عبدي المؤمن».

قلت: يعني إنما هو تحصيلُ ذكرٍ وإثباتٍ؛ لأنّ الحق ـ سبحانه ـ ومُنزَّهٌ عن السكون والحلول.
ولتعلم ـ وفقنا الله وإياك ـ أنك ما دمت ملوَّثاً بالنظر إلى ما سوى الله، فلا بد لك من نفي «لا إِلَهَ »؛ وما دمت تعتمد على الرئاسة والجاه، فلا بد لك من نفي « لاَ إِلَهَ »؛ وما دمت ترى في الوجود سواه، فلا بد من نفي « لا إِلَهَ »؛ وما دمت باقٍ في عالم وجودك، فلا بد لك من نفي « لا إِلَهَ »؛ وما دمت في ظلمة شركك الخفيِّ، فلا بد لك من نفي « لا إِلَهَ »؛ وما دمت ملاحِظًا سواه، فلا بد لك من نفي « لا إِلَهَ »؛

فإذا غبت عن الكلّ بمشاهدة صاحب الكلّ، استرحت من نفي « لا إِلَهَ »، واتصلت بإثبات «لا إِلَهَ »، فتستريح مما سوى الله، فحينئذ تطلع شمس الوَحدانية على برج الفردانية في سماء «لا إِلَهَ »، فتُطفِئُ ليل وجودك، وتُذهِبُ ظلمَته؛ فـ« لا إِلَهَ » ظلمة، ومَسْكنُه منك محلّ الظلمة، و«إلا الله» نور، ومسكنُه منك محلّ النور، فإذا اتصلت حدودُ «لا إله» بإثبات «إلا الله »، انعكست أنوار الإثبات على ظلمة النفي، وصار الكل نورًا وإثباتًا محضًا، وذهبت ظلمة النفي بنور الإثبات، فاستنار به عالَم وجودك، وصارت أجزاؤك الذميمة حميدة، وبقي الهوى وكدورة النفس فؤادًا، والبشرية روحًا، والطبع سرًّا، والشيطان مَلَكا، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: « أسلم شيطاني » .
ولتعلم أن هذه الكلمة نتيجتها معرفة الوَحدانية، وثمرتها الإقرار بالفَردانية، وذلك هو المقصود من وجود الموجودات وكون الكائنات؛ ولو لا معرفة الوَحدانية والإقرار بالفَردانية لما سُحب ذيلُ الوجود على الوجود، ولا خرج من كتم العدم مفقود، ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات:56]، قال بن عباس: أي ليعرفون.

ولتعلم أنّ كلمة «لا إله إلا الله » أربع كلمات، وهي اثنا عشر حَرفًا، حاصلها كلها أربعة أحرف، فالأربعة هي الكلمة، وهي تركيب «الله» إثباتٌ محض، وتوحيدٌ صرف، من غير نفيٍ ولا جَحْدٍ؛ و« لا إله » نفيٌ محض لأنّ الشيء لا يُنفَى حتى يُتصوَّر له وجود وثبوت، وحرف «لا» ما جاء لنفي شيء حتى يُتصوَّر له حقيقة ثبوتٍ ووجودٍ، ومن توهَّم ذلك فهو مشرِك؛ فإنّ الحق سبحانه وتعالى مُنَزَّه في أزل آزاله وأبد آباده عن الشريك والشبيه والضدّ والندّ.
وكلمة «الله » أربعة أحرف، حاصلها ثلاثة أحرف: أَلِفٌ، ولاَمٌ، وهَاءٌ؛ فالألف إشارة إلى قيام الحق بذاته، وانفراده عن مصنوعاته؛ فإن الألف لا تعلُّقَ له بغيره، والحقُّ لا تعلُّقَ له بغيره. واللام إشارة إلى أنه مَلك جميع المخلوقات. والهاء هادي من في السموات والأرض؛ ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [النور:35].

وإن شئت أن تقول: الألف: إشارة إلى تأليف الحقِّ للخَلْقِ بإسباغ النّعم والرزق، واللام: إشارة إلى لوم الخَلْقِ بالإعراض عن الحَقِّ، والهاء: إشارة إلى هيمان أوليائه في المحبة والعشق. وفي المعنى:


أَلِفٌ لِتَأْلِيفِ الخَلاَئِقِ كُلِّهِم وَاللاَّمُ لاَمُ اللَّوْمِ لِلْمَطْرُودِ
وَالهَاءُ هَاءُ مُتَيَّمٍ فِي حُبِّه مُسْتَأْثَرٌ بِالوَاحِدِ المَعْبُـودِ

وإن شئت تقول: كلمة «لا إله إلا الله» دائرتان: نفي، وإثبات؛ فدائرة النفي للموحّد، ودائرة الإثبات للموحّد. وهي شطران: شطر النفي في العمليات، وشطر الإثبات في التجليات.

ولمّا كان شطر النفي محتويا على حروفٍ خمسٍ، كانت المنفيات خمسًا؛ نفي الاختيار من الإرادات. ونفي وجودك من تصريف القدرة. ونفي قيامك بالأعمال. ونفي تصرفك بالأسماء. ونفي بقائك في الأحوال.

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
أحمد ذوالفقار
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد المساهمات : 988
تاريخ التسجيل : 27/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب التفريد في علم التوحيد تأليف العارف بالله تعالى سيدي نور الدين أبي الحسن علي بن خليل المرصفي   الأحد فبراير 15, 2009 5:06 am

فهذه الخمس هي تعلّقات النفس، فمن قطع هذه التعلّقات صعد دائرة الإثبات، وهي سبع مراتب على عدد حروفها، فتكون حياته بالتوحيد، وعلمه بالشهود، وتصرّفه بالرضا، ونطقه بالحكمة، ونظره بالبصيرة، وشهوده بالحقيقة، وسمعه بالكشف؛ فبحياته بالحقيقة يدرك حقيقة البقاء، وبعلمه بالشهود يشهد أنوار اللقاء، وبتصرفه بالرضا يغنيه عن التطلع لما مضى، وبنطقه بالحكمة يكتسب الحماية عن الزلل، وبنظره بالبصيرة يكشف له عن حقائق المآل، وبسمعه بالكشف يوجب له الرؤية في عالم الحقيقة.

افتح بصر بصيرتك، فإنه ليس في الوجود شيء إلا وهو يقول: «لا إله إلا الله»؛ ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ [الإسراء:44]، ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الحشر:24] يدل بوجوده على موجده، وبخلقه على خالقه.


فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَة تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِد

ولتعلم أنه إذا سُلِّط سلطانُ «لا إله إلا الله» على مدينة إنسانيتك، لم يبق في دائرة دارك ديّار، ولم يسكنها أحد من الأغيار، ولم يبق معه قرار؛ ﴿ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ ﴾ [المدثر: 28]، ﴿ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ﴾ [النمل:34]، فيصير عزُّ كبريائك مذلَّةً وتواضعًا، وعزُّ كثرتك قلةً، وعزُّ وجودك محوًا، وعزُّ بقائك فناءًا، وتُبَدَّل كل صفة مذمومة بصفة محمودة، وتُنقَل من عزِّ هو ذُلٌّ إلى ذُلٍّ هو عِزٌّ، ويقطع منها شجر صفاتك المذمومة، ويزول عنها عوسج الكفر والتعطيل، ويذهب منها شرك التشبيه والتمثيل، ويغرس فيها ريحان الإيمان والتوحيد، وينبت بنفسج تشريف التنزيه والتفريد، وتتنوع صفاتك المذمومة محمودة، ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ﴾ [الأعراف:58].

ولتعلم أنّ كاشف القلوب «لا إله إلا الله»، وكاشف الأرواح «الله الله»، وكاشف الأسرار «هو، هو».
قلت: يعني يكشف للقلوب عما انطوى فيها من العلوم اللَّدُنِّية والحقائق المعنوية، وللأرواح عما جانسها من العوالم الملكوتية والجواهر الخفية، وللأسرار عما شاكلها من الواردات الإلهية والتجليات القدسية؛ فـ«لا إله إلا الله» قوت القلوب، و«الله» قوت الأرواح، و«هو» قوت الأسرار.
فـ«لا إله إلا الله» مغناطيس القلوب، و«الله» مغناطيس الأرواح، و«هو» مغناطيس الأسرار. والقلبُ والروحُ والسرُّ بمنزلة دُرَّة في صدفةٍ في حُقَّةٍ ، أو بمنزل طائر في قفص في بيت، فالحُقَّةُ والبيت بمنزلة القلب، والقفص بمنزلة الروح، والدرة والطير بمنزلة السرِّ، فمهما لا تصل إلى البيت لا تصل إلى القفص، ومهما لا تصل إلى القفص لا تصل إلى الطائر، فكذلك مهما لم تصل إلى القلب لم تصل إلى الروح، ومهما لم تصل إلى الروح لم تصل إلى السر، فإذا وصلت إلى البيت وصلت إلى عالَم القلوب، وإذا وصلت إلى القفص فقد وصلت إلى عالَم الأرواح، وإذا وصلت إلى الطائر فقد وصلت إلى عالَم السرّ، فافتح قلبك بمفتاح «لا إله إلا الله»، وباب روحك بمفتاح «الله »، واستنزل طائر سرِّك بقِرْطِمِ قولك: «هو»؛ فإن قولك «هو» قوت لهذا الطائر، وإليه الإشارة بقوله تعالى: يا موسى اجعلني طعامك وشرابك.

ولتعلم أن تشبيه القلب بالبيت والروح بالقفص والطير بمنزلة الحُقَّةِ تشبيهٌ مجازي من جهة الحسِّ تقريبًا لفهمك، وإشارة إلى أنه لا وصول إلى عالم الأرواح إلا بعد العبور على عالم القلوب، ولا وصول إلى عالم الأسرار إلا بعد العبور على عالم الأرواح، وإلا فالحقيقة بالعكس من ذلك؛ فإن عالم الأسرار أكبر من عالم الأرواح، وعالم الأرواح أكبر من عالم القلوب.
وإنما مثاله الحقيقي بثلاث دوائر، بعضهما محيط ببعض؛ فالدائرة الكبرى عالَم الأسرار، والوسطى عالَم الأرواح، والصغرى عالَم القلوب؛ وإنما كان عالَم القلوب أصغر من عالَم الأرواح لأن عالَم القلوب أقرب لعالَم الشهادة من عالَم الأرواح، وإنما كان عالَم الأرواح أصغر من عالَم الأسرار لأنّ عالَم الأرواح أقرب إلى عالَم الأشباح، وكل ما كان إلى الأصغر أقرب كان أبعد من الأكبر، وكل ما كان منه أبعد كان أقرب إلى الأكبر؛ لأنّ عالَم الأشباح عالَم الضيق والحرج والزحمة، وعالَم الأسرار والأرواح عالَم الفسحة، وعالَم الروح أصغر لما هو أقرب إلى عالَم الغيب والملكوت.
فافهم ـ أيدك الله ـ أنّ القلب قشر، والروح لبّ، والسر لبّ اللبّ؛ فعالم القلب معراج المريدين، وعالم الروح معراج الصديقين، وعالم السر معراج المرادين.
وإن شئت تقول: عالَم القلب معراج أهل البداية، وعالَم الروح معراج أهل التوسط، وعالَم السر معراج أهل الوصول والنهاية.
ووجه آخر: عالَم القلب معراج التوَّابين، وعالَم الروح معراج المحبين، وعالَم السر معراج العارفين.

فمهم لم ترق من حضيض طبعك وبشريتك ونفسك لا تصبو إلى عالَمهم، فإذا ترقيت من درك طبعك وبشريّتك ونفسك فحينئذ يستقبلك تصرفُ الحقّ فيك؛ «قَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشَاءُ »، فتارة يقلِّبه من قَبضٍ إلى بَسْطٍ، ومن خَوفٍ إلى رَجاءٍ، ومن بقاءٍ إلى فناءٍ، ومن صَحْوٍ إلى مَحْوٍ، ومن طَربٍ إلى حُزنٍ، وتارة بعكس ذلك وهو أن يجذبه عنه، ويوصله إلى أعلى مراتب السائرين، وتارة يدرؤه عنه فيوقفه في أدنى منازل المنقطعين، جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين.
ولتعلم أنك إذا وصلت إلى عالم الفناء، اتصل بك تصرُّفُ الحقّ فيك، فصار حجرك إكسيرًا عزيزًا، ونحاسك ذهبًا إبريزًا، وأفرغ عليك من أنوار التنزيه والتوحيد ما ينتفي معه كل تشريك وتشبيه وتعطيل وتمويه، فتصفو بصفاء التوحيد من كدورات صفاتك، وتتقدس به عن دنس مخالفتك.

فحينئذ يُدخِلك في زمرة السالكين، ويُصيِّرك في منازل السائرين، إلى أن يبلغ بك إلى أعلى منازل القرب من الرضا والتسليم والتفويض والطمأنينة والتسكين، مع ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد:28].

ولتعلم أنك إذا وصلت إلى عالم الروح، برز لك نَعْتُ القِدَمِ بتنصيص التخصيص ومنشور التشريف من ياء إضافته ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ﴾ [الحجر:29]، وهذه إضافة تفضيل القَدِيمِ للمُحْدَث، وتبجيل القَديم للمُحدَث، كاد هذا التخصيص والتفضيل أن يمحو عن المُحدَث نعمة الحدوث، وكاد هذا التشريف أن يَصِل القديم بالمحدَث، فكاد في هذه الإضافة أن يتشبّث القديم بالمحدَث؛ تنزّه القِدَمُ عن الحدَث، وتنزه القديم عن المُحدَث، وجلَّت الأزليّة عن الوَصْل والفَصْل من الإضافة الجزئية؛
أضافك إليه إضافة مزية لا إضافة جزئية، أضافك إليه إضافة خصوصية لا إضافة جنسية، أضافك إليه إضافة تربية لا إضافة شبهية، أضافك إليه إضافة كرم لا إضافة قِدَم، وهو مُنَزَّه عن كل إضافة، وإن قال ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ﴾ [الحجر:29]؛ لأنه تعالى ليس له كلٌّ فيقال بَعضٌ، وليس له جِنسٌ فيقال نَوعٌ، تَنزَّه عن حقيقة «من» و«إلى» و«في» و«على»؛ ليس له جنسية ولا بعضية فيقال «من»، وليس له نهاية فيقال «إلى»، ولا له محلِّية فيقال «في»، وليس له قرار فيقال «على»، تقدَّس عن البداية والنهاية والظرفية والمحلية.

يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
أحمد ذوالفقار
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد المساهمات : 988
تاريخ التسجيل : 27/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب التفريد في علم التوحيد تأليف العارف بالله تعالى سيدي نور الدين أبي الحسن علي بن خليل المرصفي   الأحد فبراير 15, 2009 5:07 am

ولتعلم أنك إذا وصلت إلى عالَم السرِّ كُوشِفتَ بأسرار الغيب، ورَقَتْ إليك عرائسُ أبكار الأسرار في خلوات «أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري»، بين تواسط ﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:10] في مجلس «بيني وبين عبدي سرٌّ لا يطَّلِعُ عليه مَلَكٌ مُقرَّب ولا نَبِيٌّ مُرسَل»؛

ثم تأتيك ألطاف القدرة بتحف الحضرة، بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ [السجدة:17]؛ قرة أعين العشاق رؤية محبوبهم، والتمتع بالنظر إلى جمال جلاله، يَشقّ لك سمعًا في قلبك، وبصرًا في لُبِّك، فتسمع بغير أذن، وتبصر بغير عين، فلا تسمع إلا من الغيب، ولا تبصر إلا من الغيب، فيصير الغيب عندك عينًا، والخبر عيانًا، وهو معنى قول من قال: «رأى قلبي ربِّي»، ومفهوم إشارة القديم في متن مصحفه المجيد ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ ﴾ [الفرقان:45]؛

فحينئذ يجذبك عنك، ويسلبك منك، فتقع في القبضة، فيوصلك إلى أعلى مراتب التوحيد والمعرفة، وفي أعلى منازل السير، ويلهمك ما تقصر العبارات عنه، وتعجز الأسرار إلى الإشارة إليه، وهو نهاية الأقدام، وليس قربة وراء « لاَ أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ »، فحينئذ تقول: سُبْحَانَ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ لِخَلْقِهِ طَرِيقًا إِلَى مَعْرِفَتِهِ إِلاَّ بِالْعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ. ولمّا علم الله سبحانه وتعالى عجز خلقه عن أداء حقه في حقيقة الوحدانية والفردانية، شهد لنفسه بقوله تعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ [آل عمران:18].
ولتعلم أن هذا التعدد والتنوع من أحوالك يرجع إليك، لا إلى تصرف الحق فيك، فإنه سبحانه مُنزَّهٌ عن التعدد والتنوّع والتغيّر؛ إذ هو واحد في ذاته وصفاته، وعِلمُه واحد وهو محيط بجميع معلوماته، وقدرتُه واحدة وهي محيطة بجميع المقدورات، والعلم واحد والمعلومات متعدِّدة، والقدرة واحدة والمقدورات متعدِّدة، وتصرُّفه فيك واحد والمتصرَّفات متعددة؛
وهو تعالى مُقدَّسٌ من أن يكون جسمًا أو جوهرًا أو عرضًا، بل هو خالقُ الأجسام والجواهر والأعراض؛ ولو كان جسمًا لكان مؤلَّفًا، وهو سبحانه ليس بمؤَلَّفٍ، ولو كان جسمًا لكان مصوَّرًا، وهو سبحانه ليس بمصوَّرٍ، ولو كان مؤلَّفًا لافتقر إلى مُؤلِّفٍ، أو كان مُكَيَّفًا لافتقرَ إلى مُكَيِّفٍ، ولو كان مصوَّرًا لافتقر إلى مُصوِّرٍ، وهو سبحانه وتعالى مُبدِعُ التأليف والتكييف والتصوير؛
ولو كان عَرَضًا لافتقر إلى مَحلٍّ يقومُ به، وهو سبحانه منزَّهٌ عن أن يَحُلَّ في شيءٌ أو يقوم بشيءٍ، بل هو قبل الأشياء كلها؛ كان ولا مكان، وما كان معه شيءٌ ولا إنسٌ ولا جانٌ، ولا سماء ولا أرض ولا عَرش ولا فَرش ولا مَلَك ولا ملك ولا شَمس ولا قمر ولا عين ولا أثر ولا حجر ولا مدر ولا ماء ولا شجر ولا فضاء ولا ضياء ولا نور ولا ظلام ولا وراء ولا أمام ولا يمين ولا شمال ولا فوق ولا تحت ولا نبات ولا جماد؛ كان قبل الأكوان، وهو الآن كما كان، ولا يزال على ممر الدهور والأزمان.
قربُه للأشياء بغير اتصال، وبعدُه عن الأشياء بغير انفصال، وفعلُه بغير الجوارح والأوصال، تَنزَّه عن الاستقرار والانتقال، وتعالى عن التحوُّل والزوال، وتَقدَّس عن الحلول في المحالِّ، لا إله إلا هو الكبير المتعال؛ جلَّ عن الوهم والحسّ والخيال، ليس له شكل ولا تصوير ولا مثيل ولا نظير ولا معين ولا ظهير ولا وزير ولا مشير ولا ندّ ولا حدّ ولا تحيط به الجهات، ولا تغيره الحالات، ولا تشبه ذاتُه الذوات، ولا تشاكل صفاتُه الصفات، تقدَّست ذاته عن سمات الكائنات، وصفاته عن صفات الحادثات، تنزَّه القِدم عن الحدَث، وتقدّس القَديم عن المُحدَث.
إن قلت: «كم؟» فقد كان قبل الأجزاء والأبعاض، وإن قلت: «كيف؟» فقد كان قبل وجود الأحوال والأعراض، وإن قلت: «متى؟» فقد كان قبل وجود الزمان، وإن قلت: «أين؟» فقد كان قبل وجود المكان؛ سبق الأشياء وجودًا، وأخرجها من كتم العدم فَضلاً وجوداً.
﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ﴾ [الحديد:3]؛ أولٌ ليس قبله شيء، وآخرٌ ليس بعده شيء، ظاهرٌ أي لا يستره شيء، باطنٌ أي لا يكتنهه شيء، واحد ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:11].
ولتعلم أن التوحيد هو البداية وهو النهاية، والنهاية رجوع إلى البداية؛ «منه بدأ وإليه يعود»، فكلمة «لا إله إلا الله» هي البداية وهي النهاية، منها بدأ وإليها يعود، فهي الكلمة الطيبة، وهي الكلم الطيب، والقول السديد، والقول الصواب، وكلمة التقوى، وكلمة سواء، ودعوة الحق، والعلم الصالح، والعهد، والحسنة، والإحسان، والطيبة؛
قال الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ﴾ [إبراهيم:24].
وأما الكلم الطيب لقوله تعالى: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾ [فاطر:10].
والقول السديد لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾،[الأحزاب:70].
والقول الصواب لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ﴾ [النبأ:38].
وكلمة التقوى لقوله تعالى: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ﴾[الفتح:26].
ودعوة الحق لقوله تعالى: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ﴾ [الرعد:14].
وكلمة سواء لقوله تعالى: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾[آل عمران:64].
والعمل الصالح لقوله تعالى: ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا ﴾[المؤمنون:99،100].
والعهد لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴾[مريم:87].
والحسنة لقوله تعالى: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ﴾ [النمل:98].
والإحسان لقوله تعالى: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن:60].
وهي الحصن الحصين؛ لقوله جل وعلا: «لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمِنَ من عذابي».
جعلنا الله وإياك ممن دخل في حصن الله بمَنِّه وكرَمِه وجوده وإحسانه، بدايةً ونهايةً، ورزقنا وإياك ذوق معاني أسراره بجُودِه ورحمته، إنه جواد رؤوف رحيم، وفوق كل ذي علم عليم.


تم بحمد الله وعونه وحسن توفيقه. ووافق الفراغ من تسطيره وما قبله بعد العصر من يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رجب سنة خمس وألف من تاريخ الهجرة النبوية المحمدية، عليه أفضل صلاة وأشرف سلام وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم أجمعين آمين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
كتاب التفريد في علم التوحيد تأليف العارف بالله تعالى سيدي نور الدين أبي الحسن علي بن خليل المرصفي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الساده الكتانيين :: منتدى العلوم الشرعيه :: منتدى العقيده الاسلاميه-
انتقل الى: